قوله تعالى:"قال ربي إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا"القائل هو نوح (عليه السلام) والذي دعا إليه هو عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله ، والدعاء ليلا ونهارا كناية عن دوامه من غير فتور ولا توان.
وقوله:"فلم يزدهم دعائي إلا فرارا"أي من إجابة دعوتي فالمراد بالفرار التمرد والتأبي عن القبول استعارة ، وإسناد زيادة الفرار إلى دعائه لما فيه من شائبة السببية لأن الخير إذا وقع في محل غير صالح قاومه المحل بما فيه من الفساد فأفسده فانقلب شرا ، وقد قال تعالى في صفة القرآن:"و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا": إسراء 82.
قوله تعالى:"و إني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم"إلخ ذكر مغفرته تعالى غاية لدعوته والأصل دعوتهم ليؤمنوا فتغفر لهم"لأن الغرض الإشارة إلى أنه كان ناصحا لهم في دعوته ولم يرد إلا ما فيه خير دنياهم وعقباهم."
وقوله:"جعلوا أصابعهم في آذانهم"كناية عن استنكافهم عن الاستماع إلى دعوته ، وقوله:"و استغشوا ثيابهم"أي غطوا بها رءوسهم ووجوههم لئلا يروني ولا يسمعوا كلامي وهو كناية عن التنفر وعدم الاستماع إلى قوله.
وقوله:"و أصروا واستكبروا استكبارا"أي وألحوا على الامتناع من الاستماع واستكبروا عن قبول دعوتي استكبارا عجيبا.
قوله تعالى:"ثم إني دعوتهم جهارا""ثم"للتراخي بحسب رتبة الكلام والجهار النداء بأعلى الصوت.
قوله تعالى:"ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا"الإعلان والإسرار متقابلان وهما الإظهار والإخفاء ، وظاهر السياق أن مرجع ضمير لهم في الموضعين واحد فالمعنى دعوتهم سرا وعلانية فتارة علانية وتارة سرا سالكا في دعوتي كل مذهب ممكن وسائرا في كل مسير مرجو.
قوله تعالى:"فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا - إلى قوله - أنهارا"علل أمرهم بالاستغفار بقوله:"إنه كان غفارا"دلالة على أنه تعالى كثير المغفرة وهي مضافا إلى كثرتها منه سنة مستمرة له تعالى.
وقوله:"يرسل السماء عليكم مدرارا"مجزوم في جواب الأمر ، والمراد بالسماء السحاب ، والمدرار كثير الدرور بالأمطار.
وقوله:"و يمددكم بأموال وبنين"الأمداد إلحاق المدد وهو ما يتقوى به الممد على حاجته ، والأموال والبنون أقرب الأعضاد الابتدائية التي يستعين بها المجتمع الإنساني على حوائجه الحيوية.
وقوله:"و يجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا"هما من قسم الأموال غير أنهما لكونهما من أبسط ضروريات المعاش خصا بالذكر.
والآيات - كما ترى - تعد النعم الدنيوية وتحكي عنه (عليه السلام) أنه يعد قومه توافر النعم وتواترها عليهم أن استغفروا ربهم فلمغفرة الذنوب أثر بالغ في رفع المصائب والنقمات العامة وانفتاح أبواب النعم من السماء والأرض أي إن هناك ارتباطا خاصا بين صلاح المجتمع الإنساني وفساده وبين الأوضاع العامة الكونية المربوطة بالحياة الإنسانية وطيب عيشه ونكده.
كما يدل عليه قوله تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس": الروم 41 ، وقوله:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم": الشورى 30 ، وقوله:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض": الأعراف 94 ، وقد تقدم في تفسير الآيات ما لا يخلو من نفع في هذا المقام.
قوله تعالى:"ما لكم لا ترجون لله وقارا"استفهام إنكاري والوقار - كما في المجمع ، - بمعنى العظمة اسم من التوقير بمعنى التعظيم ، والرجاء مقابل الخوف وهو الظن بما فيه مسرة ، والمراد به في الآية مطلق الاعتقاد على ما قيل ، وقيل: المراد به الخوف للملازمة بينهما.
والمعنى: أي سبب حصل لكم حال كونكم لا تعتقدون أو لا تخافون لله عظمة توجب أن تعبدوه.
والحق أن المراد بالرجاء معناه المعروف وهو ما يقابل الخوف ونفيه كناية عن اليأس فكثيرا ما يكنى به عنه يقال: لا أرجو فيه خيرا أي أنا آيس من أن يكون فيه خير ، والوقار الثبوت والاستقرار والتمكن وهو الأصل في معناه كما صرح به في المجمع ، ووقاره تعالى ثبوته واستقراره في الربوبية المستتبع لألوهيته ومعبوديته.