كان الوثنيين طلبوا ربا له وقار في الربوبية لعبدوه فيئسوا منه تعالى فعبدوا غيره وهو كذلك فإنهم يرون أنه تعالى لا يحيط به أفهامنا فلا سبيل للتوجه العبادي إليه ، والعبادة أداء لحق الربوبية التي يتفرع عليها تدبير الأمر وتدبير أمور العالم مفوض إلى أصناف الملائكة والجن فهم أربابنا الذين يجب علينا عبادتهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله ، وأما هو تعالى فليس له إلا الإيجاد إيجاد الأرباب ومربوبيهم جميعا دون التدبير.
والآية أعني قوله:"ما لكم لا ترجون لله وقارا"وما يتلوها إلى تمام سبع آيات مسوقة لإثبات وقاره تعالى في الربوبية وحجة قاطعة في نفي ما لفقوه لوجوب عبادة غيره من الملائكة وغيرهم لاستناد تدبير العالم إليهم ، ويتبين به إمكان التوجه العبادي إليه تعالى.
ومحصل الحجة: ما الذي دعاكم إلى نفي ربوبيته تعالى المستتبع للألوهية والمعبودية واليأس عن وقاره؟ وأنتم تعلمون أنه تعالى خلقكم وخلق العالم الذي تعيشون فيه طورا من الخلق لا ينفك عن هذا النظام الجاري فيه ، وليس تدبير الكون ومن فيه من الإنسان إلا التطورات المخلوقة في أجزائه والنظام الجاري فيه فكونه تعالى خالقا هو كونه مالكا مدبرا فهو الرب لا رب سواه فيجب أن يتخذ إلها معبودا.
ويتبين به صحة التوجه إليه تعالى بالعبادة فإنا نعرفه بصفاته الكريمة من الخلق والرزق والرحمة وسائر صفاته الفعلية فلنا أن نتوجه إليه بما نعرفه من صفاته.
قوله تعالى:"و قد خلقكم أطوارا"حال من فاعل"لا ترجون"والأطوار جمع طور وهو حد الشيء وحاله التي هو عليها.
ومحصل المعنى - لا ترجون لله وقارا في ربوبية - والحال أنه أنشأكم طورا بعد طور يستعقب طورا آخر فأنشأ الواحد منكم ترابا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ثم طفلا ثم شابا ثم شيخا وأنشأ جمعكم مختلفة الأفراد في الذكورة والأنوثة والألوان والهيئات والقوة والضعف إلى غير ذلك ، وهل هذا إلا التدبير فهو مدبر أمركم فهو ربكم.
قوله تعالى:"أ لم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا"مطابقة السماوات السبع بعضها لبعض كون بعضها فوق بعض أو تطابقهن وتماثلهن على الاحتمالين المتقدمين في تفسير أوائل سورة الملك.
والمراد بالرؤية العلم ، وتوصيف السماوات السبع - والكلام مسوق سوق الحجة - يدل على أنهم كانوا يرون كونها سبعا ويسلمون ذلك فاحتج عليهم بالمسلم عندهم.
وكيف كان فوقوع حديث السماوات السبع في كلام نوح دليل على كونه مأثورا من الأنبياء (عليهم السلام) من أقدم العهود.
قوله تعالى:"و جعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا"الآيات - كما يشهد به سياقها - مسوقة لبيان وقوع التدبير الإلهي على الإنسان بما يفيض عليه من النعم حتى تثبت ربوبيته فتجب عبادته.
وعلى هذا فكون الشمس سراجا هو كونها مضيئة لعالمنا ولولاها لانغمرنا في ظلمة ظلماء ، وكون القمر نورا هو كونه منورا لأرضنا بنور مكتسب من الشمس فليس منورا بنفسه حتى يعد سراجا.
وأما أخذ السماوات ظرفا للقمر في قوله:"و جعل القمر فيهن نورا"فالمراد به كما قيل كونه في حيزهن وإن كان في واحدة منها كما تقول: إن في هذه الدور لبئرا وإن كانت في واحدة منها لأن ما كان في إحداهن كان فيهن وكما تقول: أتيت بني تميم وإنما أتيت بعضهم.
قوله تعالى:"و الله أنبتكم من الأرض نباتا"أي أنبتكم إنبات النبات وذلك أن الإنسان تنتهي خلقته إلى عناصر أرضية تركبت تركبا خاصا به يغتذي وينمو ويولد المثل ، وهذه حقيقة النبات ، فالكلام مسوق سوق الحقيقة من غير تشبيه واستعارة.
قوله تعالى:"ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا"الإعادة فيها بالإماتة والإقبار ، والإخراج للجزاء يوم القيامة فالآية والتي قبلها قريبتا المعنى من قوله تعالى:"فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون": الأعراف: 25.
وفي قوله:"و يخرجكم"دون أن يقول: ثم يخرجكم إيماء إلى أن الإعادة والإخراج كالصنع الواحد والإعادة مقدمة للإخراج ، والإنسان في حالتي الإعادة والإخراج في دار الحق كما أنه في الدنيا في دار الغرور.
قوله تعالى:"و الله جعل لكم الأرض بساطا"أي كالبساط يسهل لكم التقلب من جانب إلى جانب ، والانتقال من قطر إلى قطر.