و أما حديث حدوث النفاق بالمدينة فقد أصر عليه بعضهم محتجا عليه بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين لم يكونوا قبل الهجرة من القوة ونفوذ الأمر وسعة الطول بحيث يهابهم الناس أو يرجى منهم خير حتى يتقوهم ويظهروا لهم الإيمان ويلحقوا بجمعهم مع إبطان الكفر وهذا بخلاف حالهم بالمدينة بعد الهجرة.
والحجة غير تامة - كما أشرنا إليه في تفسير سورة المنافقون في كلام حول النفاق فإن علل النفاق ليست تنحصر في المخافة والاتقاء أو الاستدرار من خير معجل فمن علله الطمع ولو في نفع مؤجل ومنها العصبية والحمية ومنها استقرار العادة ومنها غير ذلك.
ولا دليل على انتفاء جميع هذه العلل عن جميع من آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة وقد نقل عن بعضهم أنه آمن ثم رجع أو آمن عن ريب ثم صلح.
على أنه تعالى يقول:"و من الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أ وليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين": العنكبوت: 11.
والآيتان في سورة مكية وهي سورة العنكبوت ، وهما ناطقتان بوجود النفاق فيها ومع الغض عن كون السورة مكية فاشتمال الآية على حديث الإيذاء في الله والفتنة أصدق شاهد على نزول الآيتين بمكة فلم يكن بالمدينة إيذاء في الله وفتنة ، واشتمال الآية على قوله:"و لئن جاء نصر من ربك"إلخ لا يدل على النزول بالمدينة فللنصر مصاديق أخرى غير الفتح المعجل.
واحتمال أن يكون المراد بالفتنة ما وقعت بمكة بعد الهجرة غير ضائر فإن هؤلاء المفتونين بمكة بعد الهجرة إنما كانوا من الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الهجرة وإن أوذوا بعدها.
وعلى مثل ذلك ينبغي أن يحمل قوله تعالى:"و من الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه": الحج: 11 إن كان المراد بالفتنة العذاب وإن كانت السورة مدنية.
وقوله:"كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء"الإشارة بذلك إلى مضمون قوله:"و ما جعلنا عدتهم إلا فتنة"إلخ.
وقوله:"و ما يعلم جنود ربك إلا هو"علق تعالى العلم المنفي بالجنود - وهي الجموع الغليظة التي خلقهم وسائط لإجراء أوامره - لا بخصوص عدتهم فأفاد بإطلاقه أن العلم بحقيقتهم وخصوصيات خلقتهم وعدتهم وما يعملونه من عمل ودقائق الحكمة في جميع ذلك يختص به تعالى لا يشاركه فيه أحد ، فليس لأحد أن يستقل عدتهم أو يستكثر أو يطعن في شيء مما يرجع إلى صفاتهم وهو جاهل بها.
وقوله:"و ما هي إلا ذكرى للبشر"الضمير راجع إلى ما تقدم من قوله:"عليها تسعة عشر"وتأنيثه لتأنيث الخبر ، والمعنى أن البشر لا سبيل لهم إلى العلم بجنود ربك وإنما أخبرنا عن خزنة النار أن عدتهم تسعة عشر ليكون ذكرى لهم يتعظون بها.
وقيل: الضمير للجنود ، وقيل: لسقر ، وقيل للسورة ، وقيل: لنار الدنيا وهو أسخف الأقوال.
وفي الآية دلالة على أن الخطابات القرآنية لعامة البشر.