و ثانيا: أن السبيل المهدي إليه سبيل اختياري وأن الشكر والكفر اللذين يترتبان على الهداية المذكورة واقعان في مستقر الاختيار للإنسان أن يتلبس بأيهما شاء من غير إكراه وإجبار كما قال تعالى:"ثم السبيل يسره": عبس: 20 ، وما في آخر السورة من قوله تعالى:"فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله"إنما يفيد تعلق مشيته تعالى بمشية العبد لا بفعل العبد الذي تعلقت به مشية العبد حتى يفيد نفي تأثير مشية العبد المتعلقة بفعله ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في هذا الكتاب مرارا.
والهداية التي هي نوع إيذان وإعلام منه تعالى للإنسان هداية فطرية هي تنبيه بسبب نوع خلقته وما جهز به وجوده بإلهام من الله سبحانه على حق الاعتقاد وصالح العمل قال تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8 وأوسع مدلولا منه قوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30.
وهداية قولية من طريق الدعوة يبعث الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع الإلهية ، ولم يزل التدبير الربوبي تدعم الحياة الإنسانية بالدعوة الدينية القائم بها أنبياؤه ورسله ، ويؤيد بذلك دعوة الفطرة كما قال:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده - إلى أن قال - رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165.
ومن الفرق بين الهدايتين أن الهداية الفطرية عامة بالغة لا يستثنى منها إنسان لأنها لازم الخلقة الإنسانية وهي في الأفراد بالسوية غير أنها ربما تضعف أو يلغو أثرها لعوامل وأسباب تشغل الإنسان وتصرفه عن التوجه إلى ما يدعو إليه عقله ويهديه إليه فطرته أو ملكات وأحوال رديئة سيئة تمنعه عن إجابة نداء الفطرة كالعناد واللجاج وما يشبه ذلك قال تعالى:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله": الجاثية: 23 ، والهداية المنفية في الآية بمعنى الإيصال إلى المطلوب دون إراءة الطريق بدليل قوله:"و أضله الله على علم".
وأما الهداية القولية وهي التي تتضمنها الدعوة الدينية فإن من شأنها أن تبلغ المجتمع فتكون في معرض من عقول الجماعة فيرجع إليها من آثر الحق على الباطل وأما بلوغها لكل واحد واحد منهم فإن العلل والأسباب التي يتوسل بها إلى بيان أمثال هذه المقاصد ربما لا تساعد على ذلك على ما في الظروف والأزمنة والبيئات من الاختلاف وكيف يمكن لإنسان أن يدعو كل إنسان إلى ما يريد بنفسه أو بوسائط من نوعه؟ فمن المتعذر ذلك جدا.
وإلى المعنى الأول أشار تعالى بقوله:"و إن من أمة إلا خلا فيها نذير": فاطر: 24 ، وإلى الثاني بقوله:"لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون": يس: 6.
فمن بلغته الدعوة وانكشف له الحق فقد تمت عليه الحجة ومن لم تبلغه الدعوة بلوغا ينكشف به له الحق فقد أدركه الفضل الإلهي بعده مستضعفا أمره إلى الله إن يشأ يغفر له وإن يشأ يعذبه قال تعالى:"إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا": النساء: 98.
ثم من الدليل على أن الدعوة الإلهية وهي الهداية إلى السبيل حق يجب على الإنسان أن يتبعها فطرة الإنسان وخلقته المجهزة بما يهدي إليها من الاعتقاد والعمل ، ووقوع الدعوة خارجا من طريق النبوة والرسالة فإن سعادة كل موجود وكماله في الآثار والأعمال التي تناسب ذاته وتلائمها بما جهزت به من القوى والأدوات فسعادة الإنسان وكماله في اتباع الدين الإلهي الذي هو سنة الحياة الفطرية وقد حكم به العقل وجاءت به الأنبياء والرسل عليهم السلام.
قوله تعالى:"إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا"الإعتاد التهيئة ، وسلاسل جمع سلسلة وهي القيد الذي يقاد به المجرم ، وأغلال جمع غل بالضم قيل هي القيد الذي يجمع اليدين على العنق ، وقال الراغب: فالغل مختص بما يقيد به فيجعل الأعضاء وسطه.
انتهى.
والسعير النار المشتعلة ، والمعنى ظاهر.
والآية تشير إلى تبعة الإنسان الكفور المذكور في قوله:"إما شاكرا وإما كفورا"وقدم بيان تبعته على بيان جزاء الإنسان الشاكر لاختصار الكلام فيه.