فهرس الكتاب

الصفحة 4156 من 4314

قوله تعالى:"إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا"الكأس إناء الشراب إذا كان فيه شراب ، والمزاج ما يمزج به كالحزام لما يحزم به ، والكافور معروف يضرب به المثل في البرودة وطيب الرائحة ، وقيل: هو اسم عين في الجنة.

والأبرار جمع بر بفتح الباء صفة مشبهة من البر وهو الإحسان ويتحصل معناه في أن يحسن الإنسان في عمله من غير أن يريد به نفعا يرجع إليه من جزاء أو شكور فهو يريد الخير لأنه خير لا لأن فيه نفعا يرجع إلى نفسه وإن كرهت نفسه ذلك فيصبر على مر مخالفة نفسه فيما يريده ويعمل العمل لأنه خير في نفسه كالوفاء بالنذر أو لأن فيه خيرا لغيره كإطعام الطعام للمستحقين من عباد الله.

وإذ لا خير في عمل ولا صلاح إلا بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر كما قال تعالى:"أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم": الأحزاب: 19 إلى غير ذلك من الآيات.

فالأبرار مؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ، وإذ كان إيمانهم إيمان رشد وبصيرة فهم يرون أنفسهم عبيدا مملوكين لربهم ، له خلقهم وأمرهم ، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا عليهم أن لا يريدوا إلا ما أراده ربهم ولا يفعلوا إلا ما يرتضيه فقدموا إرادته على إرادة أنفسهم وعملوا له فصبروا على مخالفة أنفسهم فيما تهواه وتحبه وكلفة الطاعة ، وعملوا ما عملوه لوجه الله ، فأخلصوا العبودية في مرحلة العمل لله سبحانه.

وهذه الصفات هي التي عرف سبحانه الأبرار بها كما يستفاد من قوله:"يشرب بها عباد الله"وقوله:"إنما نطعمكم لوجه الله"وقوله:"و جزاهم بما صبروا"وهي المستفادة من قوله في صفتهم:"ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله"إلخ: البقرة: 177 وقد مر بعض الكلام في معنى البر في تفسير الآية وسيأتي بعضه في قوله:"كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين": المطففين: 18.

والآية أعني قوله:"إن الأبرار يشربون"إلخ بما يتبادر من معناها من حيث مقابلتها لقوله:"إنا أعتدنا للكافرين"إلخ المبين لحال الكافرين في الآخرة ، تبين حال الأبرار في الآخرة في الجنة ، وأنهم يشربون من شراب ممزوج بالكافور باردا طيب الرائحة.

قوله تعالى.

"عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا""عينا"منصوب بنزع الخافض والتقدير من عين أو بالاختصاص والتقدير أخص عينا ، والشرب - على ما قيل - يتعدى بنفسه وبالباء فشرب بها وشربها واحد ، والتعبير عنهم بعباد الله للإشارة إلى تحليهم بحلية العبودية وقيامهم بلوازمها على ما يفيده سياق المدح.

وتفجير العين شق الأرض لإجرائها ، وينبغي أن يحمل تفجيرهم العين على إرادتهم جريانها لأن نعم الجنة لا تحتاج في تحققها والتنعم بها إلى أزيد من مشية أهلها قال تعالى:"لهم ما يشاءون فيها": ق: 35.

والآيتان - كما تقدمت الإشارة إليه - تصفان تنعم الأبرار بشراب الجنة في الآخرة ، وبذلك فسرت الآيتان.

ولا يبعد أن تكون الآيتان مسوقتين على مسلك تجسم الأعمال تصفان حقيقة عملهم الصالح من الإيفاء بالنذر وإطعام الطعام لوجه الله ، وأن أعمالهم المذكورة بحسب باطنها شرب من كأس مزاجها كافور من عين لا يزالون يفجرونها بأعمالهم الصالحة وستظهر لهم بحقيقتها في جنة الخلد وإن كانت في الدنيا في صورة الأعمال فتكون الآيتان في مجرى أمثال قوله تعالى:"إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون": يس: 8.

ويؤيد ذلك ظاهر قوله"يشربون"و"يشرب بها"ولم يقل: سيشربون وسيشرب بها ، ووقوع قوله: يشربون ويوفون ويخافون ويطعمون متعاقبة في سياق واحد ، وذكر التفجير في قوله:"يفجرونها تفجيرا"الظاهر في استخراج العين وإجرائها بالتوسل بالأسباب.

ولهم في مفردات الآيتين وإعرابها أقاويل كثيرة مختلفة مذكورة في المطولات فليراجعها من أراد الوقوف عليها.

قوله تعالى:"يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا"المستطير اسم فاعل من استطار إذا فشا وانتشر في الأقطار غاية الانتشار وهو أبلغ من طار كما قيل: يقال: استطار الحريق واستطار الفجر إذا اتسعا غايته ، والمراد باستطارة شر اليوم وهو يوم القيامة بلوغ شدائده وأهواله وما فيه من العذاب غايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت