فهرس الكتاب

الصفحة 4157 من 4314

و المراد بالإيفاء بالنذر ما هو ظاهره المعروف من معناه ، وقول القائل: إن المراد به ما عقدوا عليه قلوبهم من العمل بالواجبات أو ما عقدوا عليه القلوب من اتباع الشارع في جميع ما شرعه خلاف ظاهر اللفظ من غير دليل يدل عليه.

قوله تعالى:"و يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا"ضمير"على حبه"للطعام على ما هو الظاهر ، والمراد بحبه توقان النفس إليه لشدة الحاجة ، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون": آل عمران: 92.

وقيل: الضمير لله سبحانه أي يطعمون الطعام حبا لله لا طمعا في الثواب ، ويدفعه أن قوله تعالى حكاية منهم:"إنما نطعمكم لوجه الله"يغني عنه.

ويليه في الضعف ما قيل: إن الضمير للإطعام المفهوم من قوله:"و يطعمون"وجه الضعف أنه إن أريد بحب الإطعام حقيقة معناه فليس في حب الإطعام في نفسه فضل حتى يمدحوا به ، وإن أريد به كون الإطعام بطيب النفس وعدم التكلف فهو خلاف الظاهر ، ورجوع الضمير إلى الطعام هو الظاهر.

والمراد بالمسكين واليتيم معلوم ، والمراد بالأسير ما هو الظاهر منه وهو المأخوذ من أهل دار الحرب.

وقول بعضهم: إن المراد به أسارى بدر أو الأسير من أهل القبلة في دار الحرب بأيدي الكفار أو المحبوس أو المملوك من العبيد أو الزوجة كل ذلك تكلف من غير دليل يدل عليه.

والذي يجب أن يتنبه له أن سياق هذه الآيات سياق الاقتصاص تذكر قوما من المؤمنين تسميهم الأبرار وتكشف عن بعض أعمالهم وهو الإيفاء بالنذر وإطعام مسكين ويتيم وأسير وتمدحهم وتعدهم الوعد الجميل.

فما تشير إليه من القصة سبب النزول ، وليس سياقها سياق فرض موضوع وذكر آثارها الجميلة ، ثم الوعد الجميل عليها ، ثم إن عد الأسير فيمن أطعمه هؤلاء الأبرار نعم الشاهد على كون الآيات مدنية فإن الأسر إنما كان بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وظهور الإسلام على الكفر والشرك لا قبلها.

قوله تعالى:"إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا"وجه الشيء هو ما يستقبل به غيره ، ووجهه تعالى صفاته الفعلية الكريمة التي يفيض بها الخير على خلقه من الخلق والتدبير والرزق وبالجملة الرحمة العامة التي بها قيام كل شيء ، ومعنى كون العمل لوجه الله على هذا كون الغاية في العمل هي الاستفاضة من رحمة الله وطلب مرضاته بالاقتصار على ذلك والإعراض عما عند غيره من الجزاء المطلوب ، ولذا ذيلوا قولهم:"إنما نطعمكم لوجه الله"بقولهم"لا نريد منكم جزاء ولا شكورا".

ووراء ذلك صفاته الذاتية الكريمة التي هي المبدأ لصفاته الفعلية ولما يترتب عليها من الخير في العالم ، ومرجع كون العمل لوجه الله على هذا هو الإتيان بالعمل حبا لله لأنه الجميل على الإطلاق ، وإن شئت فقل: عبادته تعالى لأنه أهل للعبادة.

وابتغاء وجه الله بجعله غاية داعية في الأعمال مذكور في مواضع من كلامه تعالى كقوله:"و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه": الكهف: 28 ، وقوله:"و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله": البقرة: 272 ، وفي هذا المعنى قوله:"و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين": البينة: 5 ، وقوله:"فادعوه مخلصين له الدين": المؤمن: 65 ، وقوله:"ألا لله الدين الخالص": الزمر: 3.

وقوله:"لا نريد منكم جزاء ولا شكورا"الجزاء مقابلة العمل بما يعادله إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ، ويعم الفعل والقول لكن المراد به في الآية بقرينة مقابلته الشكور مقابلة إطعامهم عملا لا لسانا.

والشكر والشكور ذكر النعمة وإظهارها قلبا أو لسانا أو عملا ، والمراد به في الآية وقد قوبل بالجزاء الثناء الجميل لسانا.

والآية أعني قوله:"إنما نطعمكم لوجه الله"إلخ خطاب منهم لمن أطعموه من المسكين واليتيم والأسير إما بلسان المقال فهي حكاية قولهم أو بتقدير القول وكيف كان فقد أرادوا به تطييب قلوبهم أن يأمنوا المن والأذى ، وإما بلسان الحال وهو ثناء من الله عليهم لما يعلم من الإخلاص في قلوبهم.

قوله تعالى:"إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا"عد اليوم وهو يوم القيامة عبوسا من الاستعارة ، والمراد بعبوسه ظهوره على المجرمين بكمال شدته ، والقمطرير الصعب الشديد على ما قيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت