و الآية في مقام التعليل لقولهم المحكي:"إنما نطعمكم لوجه الله"إلخ ينبهون بقولهم هذا أن قصرهم العمل في ابتغاء وجه الله تعالى إخلاصا للعبودية لمخافتهم ذاك اليوم الشديد ، ولم يكتفوا بنسبة المخافة إلى اليوم حتى نسبوه نحوا من النسبة إلى ربهم فقالوا:"نخاف من ربنا يوما"إلخ لأنهم لما لم يريدوا إلا وجه ربهم فهم لا يخافون غيره كما لا يرجون غيره وإنما يخافون ويرجون ربهم فلا يخافون يوم القيامة إلا لأنه من ربهم يحاسب فيه عباده على أعمالهم فيجزيهم بها.
وأما قوله قبلا:"و يخافون يوما كان شره مستطيرا"حيث نسب خوفهم إلى اليوم فإن الواصف فيه هو الله سبحانه وقد نسب اليوم بشدائده إلى نفسه قبلا حيث قال:"إنا أعتدنا للكافرين سلاسل"إلخ.
وبالجملة ما ذكروه من الخوف مخافة في مقام العمل لما يحاسب العبد على عمله فالعبودية لازمة للإنسان لا تفارقه وإن بلغ ما بلغ قال تعالى:"إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم": الغاشية: 26.
قوله تعالى:"فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا"الوقاية الحفظ والمنع من الأذى ولقي بكذا يلقيه أي استقبله به والنضرة البهجة وحسن اللون والسرور مقابل المساءة والحزن.
والمعنى: فحفظهم الله ومنع عنهم شر ذلك اليوم واستقبلهم بالنضرة والسرور ، فهم ناضرة الوجوه مسرورون يومئذ كما قال:"وجوه يومئذ ناضرة": القيامة: 22.
قوله تعالى:"و جزاهم بما صبروا جنة وحريرا"المراد بالصبر صبرهم عند المصيبة وعلى الطاعة وعن المعصية فإنهم ابتغوا في الدنيا وجه ربهم وقدموا إرادته على إرادتهم فصبروا على ما قضى به فيهم وأراده من المحن ومصائب الدنيا في حقهم ، وصبروا على امتثال ما أمرهم به وصبروا على ترك ما نهاهم عنه وإن كان مخالفا لأهواء أنفسهم فبدل الله ما لقوه من المشقة والكلفة نعمة وراحة.
قوله تعالى:"متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا"الأرائك جمع أريكة وهو ما يتكأ عليه ، والزمهرير البرد الشديد ، والمعنى حال كونهم متكئين في الجنة على الأرائك لا يرون فيها شمسا حتى يتأذوا بحرها ولا زمهريرا حتى يتأذوا ببرده.
قوله تعالى:"و دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا"الظلال جمع ظل ، ودنو الظلال عليهم قربها منهم بحيث تنبسط عليهم فكان الدنو مضمن معنى الانبساط وقطوف جمع قطف بالكسر فالسكون وهو الثمرة المقطوفة المجتناة ، وتذليل القطوف لهم جعلها مسخرة لهم يقطفونها كيف شاءوا من غير مانع أو كلفة.
قوله تعالى:"و يطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا"الآنية جمع إناء كأكسية جمع كساء وهو الوعاء ، وأكواب جمع كوب وهو إناء الشراب الذي لا عروة له ولا خرطوم والمراد طواف الولدان المخلدين عليهم بالآنية وأكواب الشراب كما سيأتي في قوله:"و يطوف عليهم ولدان"الآية.
قوله تعالى:"قوارير من فضة قدروها تقديرا"بدل من قوارير في الآية السابقة ، وكون القوارير من فضة مبني على التشبيه البليغ أي إنها في صفاء الفضة وإن لم تكن منها حقيقة ، كذا قيل.
واحتمل أن يكون بحذف مضاف والتقدير من صفاء الفضة.
وضمير الفاعل في"قدروها"للأبرار والمراد بتقديرهم الآنية والأكواب كونها على ما شاءوا من القدر ترويهم بحيث لا تزيد ولا تنقص كما قال تعالى:"لهم ما يشاءون فيها": ق: 35 وقد قال تعالى قبل:"يفجرونها تفجيرا".
ويحتمل رجوع الضمير إلى الطائفين المفهوم من قوله:"يطاف عليهم"والمراد بتقديرهم الآنية والأكواب إتيانهم بها على قدر ما أرادوا محتوية على ما اشتهوا قدر ما اشتهوا.
قوله تعالى:"و يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا"قيل: إنهم كانوا يستطيبون الزنجبيل في الشراب فوعد الأبرار بذلك وزنجبيل الجنة أطيب وألذ.
قوله تعالى:"عينا فيها تسمى سلسبيلا"أي من عين أو التقدير أعني أو أخص عينا.
قال الراغب: وقوله:"سلسبيلا"أي سهلا لذيذا سلسا حديد الجرية.
قوله تعالى:"و يطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا"أي ولدان دائمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء وصباحة المنظر ، وقيل: أي مقرطون بخلدة وهي ضرب من القرط.