و أما ما ذكره من اشتمال السورة على أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر وأن لا يطيع منهم آثما أو كفورا ولا يداهنهم ويثبت على ما نزل عليه من الحق ففيه أن هذه الأوامر واقعة في الفصل الثاني من آيات السورة وهو قوله:"إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا"إلى آخر السورة ومن المحتمل جدا أن يكون هذا الفصل من الآيات - وهو ذو سياق تام مستقل - نازلا بمكة ، ويؤيده ما في كثير من الروايات المتقدمة أن الذي نزل في أهل البيت بالمدينة هو الفصل الأول من الآيات ، وعلى هذا أول السورة مدني وآخرها مكي.
ولو سلم نزولها دفعة واحدة فأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر لا اختصاص له بالسور المكية فقد ورد في قوله:"و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا": الكهف: 28 والآية - على ما روي - مدنية والآية - كما ترى - متحدة المعنى مع قوله:"فاصبر لحكم ربك"إلخ وهي في سياق شبيه جدا بسياق هذه الآيات فراجع وتأمل.
ثم الذي كان يلقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أذى المنافقين والذين في قلوبهم مرض والجفاة من ضعفاء الإيمان لم يكن بأهون من أذى المشركين بمكة يشهد بذلك أخبار سيرته.
ولا دليل أيضا على انحصار الإثم والكفور في مشركي مكة فهناك غيرهم من الكفار وقد أثبت القرآن الإثم لجمع من المسلمين في موارد كقوله:"لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم": النور: 11 ، وقوله:"و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا": النساء: 112.
وفي المجمع ، وروى العياشي بإسناده عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله:"لم يكن شيئا مذكورا"قال: كان شيئا ولم يكن مذكورا.
أقول: وروي فيه ، أيضا عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (عليه السلام) : مثله.
وفيه ، أيضا عن العياشي بإسناده عن سعيد الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان مذكورا في العلم ولم يكن مذكورا في الخلق.
أقول: يعني أنه كان له ثبوت في علم الله ثم خلق بالفعل فصار مذكورا فيمن خلق.
وفي الكافي ، بإسناده عن مالك الجهني عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الآية قال: كان مقدرا غير مذكور.
أقول: هو في معنى الحديث السابق.
وفي تفسير القمي ،: في الآية قال: لم يكن في العلم ولا في الذكر ، وفي حديث آخر: كان في العلم ولم يكن في الذكر.
أقول: معنى الحديث الأول أنه لم يكن في علم الناس ولا فيمن يذكرونه فيما بينهم ، ومعنى الثاني أنه كان في علم الله ولم يكن مذكورا عند الناس.
وفي تفسير القمي ، أيضا في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى"أمشاج نبتليه"قال: ماء الرجل والمرأة اختلطا جميعا.
وفي الكافي ، بإسناده عن حمران بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله عز وجل ،"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا"قال: إما آخذ فهو شاكر وإما تارك فهو كافر.
أقول: ورواه القمي في تفسيره ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله.
وفي التوحيد ، بإسناده إلى حمزة بن الطيار عن أبي عبد الله (عليه السلام) ما يقرب منه ولفظه: عرفناه إما آخذا وإما تاركا.
وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا والله تعالى أعلم.