فهرس الكتاب

الصفحة 4187 من 4314

و قوله:"و السابحات سبحا"قيل: المراد بها الملائكة تقبض الأرواح فتسرع بروح المؤمن إلى الجنة وبروح الكافر إلى النار ، والسبح الإسراع في الحركة كما يقال للفرس سابح إذا أسرع في جريه ، وقيل: المراد بها الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها من الأبدان سلا رفيقا ثم يدعونها حتى يستريح كالسابح بالشيء في الماء يرمي ، وقيل: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين ، وقيل: هي النجوم تسبح في فلكها كما قال تعالى:"و كل في فلك يسبحون".

وقيل: هي خيل الغزاة تسبح في عدوها وتسرع ، وقيل: هي المنايا تسبح في نفوس الحيوان ، وقيل: هي السفن تسبح في المياه ، وقيل: السحاب ، وقيل: دواب البحر.

وقوله:"فالسابقات سبقا"قيل المراد بها مطلق الملائكة لأنها سبقت ابن آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح ، وقيل ملائكة الموت تسبق بروح المؤمن إلى الجنة وبروح الكافر إلى النار ، وقيل الملائكة القابضون لروح المؤمن تسبق بها إلى الجنة ، وقيل ، ملائكة الوحي تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء ، وقيل أرواح المؤمنين تسبق إلى الملائكة التي يقبضونها شوقا إلى لقاء الله سبحانه ، وقيل هي النجوم تسبق بعضها بعضا في السير ، وقيل هي خيل الغزاة تسبق بعضها بعضا في الحرب ، وقيل هي المنايا تسبق الآمال.

وقوله:"فالمدبرات أمرا"قيل: المراد بها مطلق الملائكة المدبرين للأمور ، كذا فسر الأكثرون حتى ادعى بعضهم اتفاق المفسرين عليه ، وقيل المراد بها الملائكة الأربعة المدبرون لأمور الدنيا: جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ، فجبرائيل يدبر أمر الرياح والجنود والوحي ، وميكائيل يدبر أمر القطر والنبات ، وعزرائيل موكل بقبض الأرواح ، وإسرافيل يتنزل بالأمر عليهم وهو صاحب الصور ، وقيل: إنها الأفلاك يقع فيها أمر الله فيجري بها القضاء في الدنيا.

وهناك قول بأن الإقسام في الآيات بمضاف محذوف والتقدير ورب النازعات نزعا إلخ.

وأنت خبير بأن سياق الآيات الخمس سياق واحد متصل متشابه الأجزاء لا يلائم كثيرا من هذه الأقوال القاضية باختلاف المعاني المقسم بها ككون المراد بالنازعات الملائكة القابضين لأرواح الكفار ، وبالناشطات الوحش ، وبالسابحات السفن ، وبالسابقات المنايا تسبق الآمال وبالمدبرات الأفلاك.

مضافا إلى أن كثيرا منها لا دليل عليها من جهة السياق إلا مجرد صلاحية اللفظ بحسب اللغة للاستعمال فيه أعم من الحقيقة والمجاز.

على أن كثيرا منها لا تناسب سياق آيات السورة التي تذكر يوم البعث وتحتج على وقوعه على ما تقدم في سورة المرسلات من حديث المناسبة بين ما في كلامه تعالى من الإقسام وجوابه.

والذي يمكن أن يقال - والله أعلم - أن ما في هذه الآيات من الأوصاف المقسم بها يقبل الانطباق على صفات الملائكة في امتثالها للأوامر الصادرة عليهم من ساحة العزة المتعلقة بتدبير أمور هذا العالم المشهود ثم قيامهم بالتدبير بإذن الله.

والآيات شديدة الشبه سياقا بآيات مفتتح سورة الصافات:"و الصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا"وآيات مفتتح سورة المرسلات:"و المرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا"وهي تصف الملائكة في امتثالهم لأمر الله غير أنها تصف ملائكة الوحي ، والآيات في مفتتح هذه السورة تصف مطلق الملائكة في تدبيرهم أمر العالم بإذن الله.

ثم إن أظهر الصفات المذكورة في هذه الآيات الخمس في الانطباق على الملائكة قوله:"فالمدبرات أمرا"وقد أطلق التدبير ولم يقيد بشيء دون شيء فالمراد به التدبير العالمي بإطلاقه ، وقوله"أمرا"تمييز أو مفعول به للمدبرات ومطلق التدبير شأن مطلق الملائكة فالمراد بالمدبرات مطلق الملائكة.

وإذ كان قوله:"فالمدبرات أمرا"مفتتحا بفاء التفريع الدالة على تفرع صفة التدبير على صفة السبق ، وكذا قوله:"فالسابقات سبقا"مقرونا بفاء التفريع الدالة على تفرع السبق على السبح دل ذلك على مجانسة المعاني المرادة بالآيات الثلاث:"و السابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا"فمدلولها أنهم يدبرون الأمر بعد ما سبقوا إليه ويسبقون إليه بعد ما سبحوا أي أسرعوا إليه عند النزول فالمراد بالسابحات والسابقات هم المدبرات من الملائكة باعتبار نزولهم إلى ما أمروا بتدبيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت