فهرس الكتاب

الصفحة 4188 من 4314

فالآيات الثلاث في معنى قوله تعالى:"له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله": الرعد: 11 على ما تقدم من توضيح معناه فالملائكة ينزلون على الأشياء وقد تجمعت عليها الأسباب وتنازعت فيها وجودا وعدما وبقاء وزوالا وفي مختلف أحوالها فما قضاه الله فيها من الأمر وأبرم قضاءه أسرع إليه الملك المأمور به - بما عين له من المقام - وسبق غيره وتمم السبب الذي يقتضيه فكان ما أراده الله فافهم ذلك.

وإذا كان المراد بالآيات الثلاث الإشارة إلى إسراع الملائكة في النزول على ما أمروا به من أمر وسبقهم إليه وتدبيره تعين حمل قوله:"و النازعات غرقا والناشطات نشطا"على انتزاعهم وخروجهم من موقف الخطاب إلى ما أمروا به فنزعهم غرقا شروعهم في النزول نحو المطلوب بشدة وجد ، ونشطهم خروجهم من موقفهم نحوه كما أن سبحهم إسراعهم إليه بعد الخروج ويتعقب ذلك سبقهم إليه وتدبير الأمر بإذن الله.

فالآيات الخمس أقسام بما يتلبس به الملائكة من الصفات عند ما يؤمرون بتدبير أمر من أمور هذا العالم المشهود من حين يأخذون في النزول إليه إلى تمام التدبير.

وفيها إشارة إلى نظام التدبير الملكوتي عند حدوث الحوادث كما أن الآيات التالية أعني قوله:"هل أتاك"إلخ إشارة إلى التدبير الربوبي الظاهر في هذا العالم.

وفي التدبير الملكوتي حجة على البعث والجزاء كما أن في التدبير الدنيوي المشهود حجة عليه على ما سيوافيك إن شاء الله بيانه.

هذا ما يعطيه التدبر في سياق الآيات الكريمة ويؤيده بعض التأييد ما سيأتي من الأخبار في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.

كلام في أن الملائكة وسائط في التدبير

الملائكة وسائط بينه تعالى وبين الأشياء بدءا وعودا على ما يعطيه القرآن الكريم بمعنى أنهم أسباب للحوادث فوق الأسباب المادية في العالم المشهود قبل حلول الموت والانتقال إلى نشأة الآخرة وبعده.

أما في العود أعني حال ظهور آيات الموت وقبض الروح وإجراء السؤال وثواب القبر وعذابه وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم بذلك والحشر وإعطاء الكتاب ووضع الموازين والحساب والسوق إلى الجنة والنار فوساطتهم فيها غني عن البيان ، والآيات الدالة على ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها ، والأخبار المأثورة فيها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فوق حد الإحصاء.

وكذا وساطتهم في مرحلة التشريع من النزول بالوحي ودفع الشياطين عن المداخلة فيه وتسديد النبي وتأييد المؤمنين وتطهيرهم بالاستغفار.

وأما وساطتهم في تدبير الأمور في هذه النشأة فيدل عليها ما في مفتتح هذه السورة من إطلاق قوله:"و النازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا"بما تقدم من البيان.

وكذا قوله تعالى:"جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع": فاطر: 1 الظاهر بإطلاقه - على ما تقدم من تفسيره - في أنهم خلقوا وشأنهم أن يتوسطوا بينه تعالى وبين خلقه ويرسلوا لإنفاذ أمره الذي يستفاد من قوله تعالى في صفتهم:"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27 ، وقوله:"يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون": النحل: 50 وفي جعل الجناح لهم إشارة ذلك.

فلا شغل للملائكة إلا التوسط بينه تعالى وبين خلقه بإنفاذ أمره فيهم وليس ذلك على سبيل الاتفاق بأن يجري الله سبحانه أمرا بأيديهم ثم يجري مثله لا بتوسيطهم فلا اختلاف ولا تخلف في سنته تعالى:"إن ربي على صراط مستقيم": هود: 56 ، وقال"فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا": فاطر: 43.

ومن الوساطة كون بعضهم فوق بعض مقاما وأمر العالي منهم السافل بشيء من التدبير فإنه في الحقيقة توسط من المتبوع بينه تعالى وبين تابعه في إيصال أمر الله تعالى كتوسط ملك الموت في أمر بعض أعوانه بقبض روح من الأرواح ، قال تعالى حاكيا عن الملائكة:"و ما منا إلا له مقام معلوم": الصافات: 164 ، وقال:"مطاع ثم أمين": التكوير: 21 ، وقال:"حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق": سبأ: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت