فهرس الكتاب

الصفحة 4189 من 4314

و لا ينافي هذا الذي ذكر من توسطهم بينه تعالى وبين الحوادث أعني كونهم أسبابا تستند إليها الحوادث استناد الحوادث إلى أسبابها القريبة المادية فإن السببية طولية لا عرضية أي إن السبب القريب سبب للحادث والسبب البعيد سبب للسبب.

كما لا ينافي توسطهم واستناد الحوادث إليهم استناد الحوادث إليه تعالى وكونه هو السبب الوحيد لها جميعا على ما يقتضيه توحيد الربوبية فإن السببية طولية كما سمعت لا عرضية ولا يزيد استناد الحوادث إلى الملائكة استنادها إلى أسبابها الطبيعية القريبة وقد صدق القرآن الكريم استناد الحوادث إلى الحوادث الطبيعية كما صدق استنادها إلى الملائكة.

وليس لشيء من الأسباب استقلال قباله تعالى حتى ينقطع عنه فيمنع ذلك استناد ما استند إليه إلى الله سبحانه على ما يقول به الوثنية من تفويضه تعالى تدبير الأمر إلى الملائكة المقربين فالتوحيد القرآني ينفي الاستقلال عن كل شيء من كل جهة: لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.

فمثل الأشياء في استنادها إلى أسبابها المترتبة القريبة والبعيدة وانتهائها إلى الله سبحانه بوجه بعيد كمثل الكتابة يكتبها الإنسان بيده وبالقلم فللكتابة استناد إلى القلم ثم إلى اليد التي توسلت إلى الكتابة بالقلم ، وإلى الإنسان الذي توسل إليها باليد وبالقلم ، والسبب بحقيقة معناه هو الإنسان المستقل بالسببية من غير أن ينافي سببيته استناد الكتابة بوجه إلى اليد وإلى القلم.

ولا منافاة أيضا بين ما تقدم أن شأن الملائكة هو التوسط في التدبير وبين ما يظهر من كلامه تعالى أن بعضهم أو جميعهم مداومون على عبادته تعالى وتسبيحه والسجود له كقوله:"و من عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون": الأنبياء: 20 ، وقوله:"إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون": الأعراف: 206.

وذلك لجواز أن تكون عبادتهم وسجودهم وتسبيحهم عين عملهم في التدبير وامتثالهم الأمر الصادر عن ساحة العزة بالتوسط كما ربما يومىء إليه قوله تعالى:"و لله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون": النحل: 49.

قوله تعالى:"يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة"فسرت الراجفة بالصيحة العظيمة التي فيها تردد واضطراب والرادفة بالمتأخرة التابعة ، وعليه تنطبق الآيتان على نفختي الصور التي يدل عليهما قوله تعالى:"و نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون": الزمر: 68.

وقيل: الراجفة بمعنى المحركة تحريكا شديدا - فإن الرجف يستعمل لازما بمعنى التحرك الشديد ، ومتعديا بمعنى التحريك الشديد - والمراد بها أيضا النفخة الأولى المحركة للأرض والجبال ، وبالرادفة النفخة الثانية المتأخرة عن الأولى.

وقيل: المراد بالراجفة الأرض وبالرادفة السماوات والكواكب التي ترجف وتضطرب وتنشق ، وتتلاشى والوجهان لا يخلوان من بعد ولا سيما الأخير.

والأنسب بالسياق على أي حال كون قوله:"يوم ترجف"إلخ ظرفا لجواب القسم المحذوف للدلالة على فخامته وبلوغه الغاية في الشدة وهو لتبعثن ، وقيل: إن"يوم"منصوب على معنى قلوب يومئذ واجفة يوم ترجف الراجفة ، ولا يخلو من بعد.

قوله تعالى:"قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة"تنكير"قلوب"للتنويع وهو مبتدأ خبره"واجفة"والوجيف الاضطراب ، و"يومئذ"ظرف متعلق بواجفة والجملة استئناف مبين لصفة اليوم.

وقوله:"أبصارها خاشعة"ضمير"أبصارها"للقلوب ونسبة الأبصار وإضافتها إلى القلوب لمكان أن المراد بالقلوب في أمثال هذه المواضع التي تضاف إليها الصفات الإدراكية كالعلم والخوف والرجاء وما يشبهها هي النفوس ، وقد تقدمت الإشارة إليها.

ونسبة الخشوع إلى الأبصار وهو من أحوال القلب إنما هي لظهور أثره الدال عليه في الأبصار أقوى من سائر الأعضاء.

قوله تعالى:"يقولون أ إنا لمردودون في الحافرة"إخبار وحكاية لقولهم في الدنيا استبعادا منهم لوقوع البعث والجزاء وإشارة إلى أن هؤلاء الذين لقلوبهم وجيف ولأبصارهم خشوع يوم القيامة هم الذين ينكرون البعث وهم في الدنيا ويقولون كذا وكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت