و قال بعضهم من الممكن أن يؤتوا كتابهم من وراء ظهورهم ويكون قوله:"فسوف يحاسب حسابا يسيرا"من قبيل وصف الكل بصفة بعض أجزائه.
وفيه أن المقام لا يساعد على هذا التجوز فإن المقام مقام تمييز السعداء من الأشقياء وتشخيص كل بجزائه الخاص به فلا مجوز لإدغام جمع من أهل العذاب في أهل الجنة.
على أن قوله:"فسوف يحاسب"إلخ وعد جميل إلهي ولا معنى لشموله لغير مستحقيه ولو بظاهر من القول.
نعم يمكن أن يقال: إن اليسر والعسر معنيان إضافيان وحساب العصاة من أهل الإيمان يسير بالإضافة إلى حساب الكفار المخلدين في النار ولو كان عسيرا بالإضافة إلى حساب المتقين.
ويمكن أيضا أن يقال إن قسمة أهل الجمع إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال غير حاصرة كما يدل عليه قوله تعالى:"و كنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون": الواقعة: 11 فمدلول الآيات خروج المقربين من الفريقين ، ومثلهم المستضعفون كما ربما يستفاد من قوله تعالى:"و آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم": التوبة: 106.
فمن الجائز أن لا يكون تقسيم أهل الجمع إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال تقسيما حاصرا لجميعهم بل تخصيصا لأهل الجنة من المتقين وأهل الخلود في النار بالذكر بتوصيفهم بإيتاء الكتاب باليمين وبالشمال لمكان الدعوة إلى الإيمان والتقوى ونظير ذلك ما في سورة المرسلات من ذكر يوم الفصل ثم بيان حال المتقين والمكذبين فحسب وليس ينحصر الناس في القبيلين ، ونظيره ما في سورة النبإ والنازعات وعبس والانفطار ، والمطففين وغيرها فالغرض فيها ذكر أنموذج من أهل الإيمان والطاعة وأهل الكفر والتكذيب والسكوت عمن سواهم ليتذكر أن السعادة في جانب التقوى والشقاء في جانب التمرد والطغوى.
قوله تعالى:"فلا أقسم بالشفق"الشفق الحمرة ثم الصفرة ثم البياض التي تحدث بالمغرب أول الليل.
قوله تعالى:"و الليل وما وسق"أي ضم وجمع ما تفرق وانتشر في النهار من الإنسان والحيوان فإنها تتفرق وتنتشر بالطبع في النهار وترجع إلى مأواها في الليل فتسكن.
وفسر بعضهم"وسق"بمعنى طرد أي طرد الكواكب من الخفاء إلى الظهور.
قوله تعالى:"و القمر إذا اتسق"أي اجتمع وانضم بعض نوره إلى بعض فاكتمل نوره وتبدر.
قوله تعالى:"لتركبن طبقا عن طبق"جواب القسم والخطاب للناس والطبق هو الشيء أو الحال الذي يطابق آخر سواء كان أحدهما فوق الآخر أم لا والمراد به كيف كان المرحلة بعد المرحلة يقطعها الإنسان في كدحه إلى ربه من الحياة الدنيا ثم الموت ثم الحياة البرزخية ثم الانتقال إلى الآخرة ثم الحياة الآخرة ثم الحساب والجزاء.
وفي هذا الإقسام - كما ترى - تأكيد لما في قوله:"يا أيها الإنسان إنك كادح"الآية وما بعده من نبإ البعث وتوطئة وتمهيد لما في قوله:"فما لهم لا يؤمنون"من التعجيب والتوبيخ وما في قوله:"فبشرهم بعذاب"إلخ من الإنذار والتبشير.
وفي الآية إشارة إلى أن المراحل التي يقطعها الإنسان في مسيره إلى ربه مترتبة متطابقة.
قوله تعالى:"فما لهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون"الاستفهام للتعجيب والتوبيخ ولذا ناسب الالتفات الذي فيه من الخطاب إلى الغيبة كأنه لما رأى أنهم لا يتذكرون بتذكيره ولا يتعظون بعظته أعرض عنهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخاطبه بقوله:"فما لهم لا يؤمنون"إلخ.
قوله تعالى:"بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون""يكذبون"يفيد الاستمرار ، والتعبير عنهم بالذين كفروا للدلالة على علة التكذيب ، والإيعاء كما قيل جعل الشيء في وعاء.
والمعنى: أنهم لم يتركوا الإيمان لقصور في البيان أو لانقطاع من البرهان لكنهم اتبعوا أسلافهم ورؤساءهم فرسخوا في الكفر واستمروا على التكذيب والله يعلم بما جمعوا في صدورهم وأضمروا في قلوبهم من الكفر والشرك.
وقيل: المراد بقوله:"و الله أعلم بما يوعون"أن لهم وراء التكذيب مضمرات في قلوبهم لا يحيط بها العبارة ولا يعلمها إلا الله ، وهو بعيد من السياق.
قوله تعالى:"فبشرهم بعذاب أليم"التعبير عن الإخبار بالعذاب بالتبشير مبني على التهكم ، والجملة متفرعة على التكذيب.