فهرس الكتاب

الصفحة 4227 من 4314

و على هذا يقبل"شاهد"الانطباق على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لشهادته أعمال أمته ثم يشهد عليها يوم القيامة ، ويقبل"مشهود"الانطباق على تعذيب الكفار لهؤلاء المؤمنين وما فعلوا بهم من الفتنة وإن شئت فقل: على جزائه وإن شئت فقل على ما يقع يوم القيامة من العقاب والثواب لهؤلاء الظالمين والمظلومين ، وتنكير"مشهود"و"و شاهد"على أي حال للتفخيم.

ولهم في تفسير شاهد ومشهود أقاويل كثيرة أنهاها بعضهم إلى ثلاثين كقول بعضهم إن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ، والقول بأن الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة ، والقول بأن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة ، والقول بأن الشاهد الملك يشهد على بني آدم والمشهود يوم القيامة ، والقول بأن الشاهد الذين يشهدون على الناس والمشهود الذين يشهد عليهم.

والقول بأن الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم ، والقول بأن الشاهد أعضاء بني آدم والمشهود أنفسهم والقول بأن الشاهد الحجر الأسود والمشهود الحاج والقول بأن الشاهد الأيام والليالي والمشهود بنو آدم ، والقول بأن الشاهد الأنبياء والمشهود محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والقول بأن الشاهد هو الله والمشهود لا إله إلا الله.

والقول بأن الشاهد الخلق والمشهود الحق ، والقول بأن الشاهد هو الله والمشهود يوم القيامة ، والقول بأن الشاهد آدم وذريته والمشهود يوم القيامة ، والقول بأن الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة ، والقول بأنها يوم الإثنين ويوم الجمعة ، والقول بأن الشاهد: المقربون والمشهود عليون ، والقول بأن الشاهد هو الطفل الذي قال لأمه في قصة الأخدود: اصبري فإنك على الحق والمشهود الواقعة ، والقول بأن الشاهد الملائكة المتعاقبون لكتابة الأعمال والمشهود قرآن الفجر إلى غير ذلك من أقوالهم.

وأكثر هذه الأقوال - كما ترى - مبني على أخذ الشهادة بمعنى أداء ما حمل من الشهادة وبعضها على تفريق بين الشاهد والمشهود في معنى الشهادة وقد عرفت ضعفه ، وأن الأنسب للسياق أخذها بمعنى المعاينة وإن استلزم الشهادة بمعنى الأداء يوم القيامة ، وأن الشاهد يقبل الانطباق على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

كيف لا؟ وقد سماه الله تعالى شاهدا إذ قال:"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا": الأحزاب: 45 ، وسماه شهيدا إذ قال:"ليكون الرسول شهيدا عليكم": الحج - 78 ، وقد عرفت معنى شهادة الأعمال من شهدائها فيما مر.

ثم إن جواب القسم محذوف يدل عليه قوله:"إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات"إلى تمام آيتين ، ويشعر به أيضا قوله:"قتل أصحاب الأخدود"إلخ وهو وعيد الفاتنين ووعد المؤمنين الصالحين وأن الله يوفقهم على الصبر ويؤيدهم على حفظ إيمانهم من كيد الكائدين أن أخلصوا كما فعل بالمؤمنين في قصة الأخدود.

قوله تعالى:"قتل أصحاب الأخدود"إشارة إلى قصة الأخدود لتكون توطئة وتمهيدا لما سيجيء من قوله:"إن الذين فتنوا"إلخ وليس جوابا للقسم البتة.

والأخدود الشق العظيم في الأرض ، وأصحاب الأخدود هم الجبابرة الذين خدوا أخدودا وأضرموا فيها النار وأمروا المؤمنين بدخولها فأحرقوهم عن آخرهم نقما منهم لإيمانهم فقوله:"قتل"إلخ دعاء عليهم والمراد بالقتل اللعن والطرد.

وقيل: المراد بأصحاب الأخدود المؤمنون والمؤمنات الذين أحرقوا فيه ، وقوله:"قتل"إخبار عن قتلهم بالإحراق وليس من الدعاء في شيء.

ويضعفه ظهور رجوع الضمائر في قوله:"إذ هم عليها"و"هم على ما يفعلون"و"ما نقموا"إلى أصحاب الأخدود ، والمراد بها وخاصة بالثاني والثالث الجبابرة الناقمون دون المؤمنين المعذبين.

قوله تعالى:"النار ذات الوقود"بدل من الأخدود ، والوقود ما يشعل به النار من حطب وغيره ، وفي توصيف النار بذات الوقود إشارة إلى عظمة أمر هذه النار وشدة اشتعالها وأجيجها.

قوله تعالى:"إذ هم عليها قعود"أي في حال أولئك الجبابرة قاعدون في أطراف النار المشرفة عليها.

قوله تعالى:"و هم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود"أي حضور ينظرون ويشاهدون إحراقهم واحتراقهم.

قوله تعالى:"و ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله"النقم بفتحتين الكراهة الشديدة أي ما كرهوا من أولئك المؤمنين إلا إيمانهم بالله فأحرقوهم لأجل إيمانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت