فهرس الكتاب

الصفحة 4228 من 4314

قوله تعالى:"العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد"أوصاف جارية على اسم الجلالة تشير إلى الحجة على أن أولئك المؤمنين كانوا على الحق في إيمانهم مظلومين فيما فعل بهم لا يخفى حالهم على الله وسيجزيهم خير الجزاء ، وعلى أن أولئك الجبابرة كانوا على الباطل مجترين على الله ظالمين فيما فعلوا وسيذوقون وبال أمرهم وذلك أنه تعالى هو الله العزيز الحميد أي الغالب غير المغلوب على الإطلاق والجميل في فعله على الإطلاق فله وحده كل الجلال والجمال فمن الواجب أن يخضع له وأن لا يتعرض لجانبه ، وإذ كان له ملك السماوات والأرض فهو المليك على الإطلاق له الأمر وله الحكم فهو رب العالمين فمن الواجب أن يتخذ إلها معبودا ولا يشرك به أحد فالمؤمنون به على الحق والكافرون في ضلال.

ثم إن الله - وهو الموجد لكل شيء - على كل شيء شهيد لا يخفى عليه شيء من خلقه ولا عمل من أعمال خلقه ولا يحتجب عنه إحسان محسن ولا إساءة مسيء فسيجزي كلا بما عمل.

وبالجملة إذ كان تعالى هو الله المتصف بهذه الصفات الكريمة كان على هؤلاء المؤمنين أن يؤمنوا به ولم يكن لأولئك الجبابرة أن يتعرضوا لحالهم ولا أن يمسوهم بسوء.

وقال بعض المفسرين في توجيه إجراء الصفات في الآية: إن القوم إن كانوا مشركين فالذي كانوا ينقمونه من المؤمنين وينكرونه عليهم لم يكن هو الإيمان بالله تعالى بل نفي ما سواه من معبوداتهم الباطلة ، وإن كانوا معطلة فالمنكر عندهم ليس إلا إثبات معبود غير معهود لهم لكن لما كان مآل الأمرين إنكار المعبود الحق الموصوف بصفات الجلال والإكرام عبر بما عبر بإجراء الصفات عليه تعالى.

وفيه غفلة عن أن المشركين وهم الوثنية ما كانوا ينسبون إلى الله تعالى إلا الصنع والإيجاد.

وأما الربوبية التي تستتبع التدبير والألوهية التي تستوجب العبادة فكانوا يقصرونها في أربابهم وآلهتهم فيعبدونها دون الله سبحانه ، فليس له تعالى عندهم إلا أنه رب الأرباب وإله الآلهة لا غير.

قوله تعالى:"إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق"الفتنة المحنة والتعذيب ، والذين فتنوا"إلخ"عام يشمل أصحاب الأخدود ومشركي قريش الذين كانوا يفتنون من آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المؤمنين والمؤمنات بأنواع من العذاب ليرجعوا عن دينهم.

قال في المجمع ،: يسأل فيقال: كيف فصل بين عذاب جهنم وعذاب الحريق وهما واحد؟ أجيب عن ذلك بأن المراد لهم أنواع العذاب في جهنم سوى الإحراق مثل الزقوم والغسلين والمقامع ولهم مع ذلك الإحراق بالنار انتهى.

قوله تعالى:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير"وعد جميل للمؤمنين يطيب به نفوسهم كما أن ما قبله وعيد شديد للكفار الفاتنين المعذبين.

قوله تعالى:"إن بطش ربك لشديد"الآية إلى تمام سبع آيات تحقيق وتأكيد لما تقدم من الوعيد والوعد ، والبطش - كما ذكره الراغب - تناول الشيء بصولة.

وفي إضافة البطش إلى الرب وإضافة الرب إلى الكاف تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتأييد والنصر ، وإشارة إلى أن لجبابرة أمته نصيبا من الوعيد المتقدم.

قوله تعالى:"إنه هو يبدىء ويعيد"المقابلة بين المبدىء والمعيد يعطي أن المراد بالإبداء البدء ، والافتتاح بالشيء ، قالوا: ولم يسمع من العرب الإبداء لكن القراءة ذلك وفي بعض القراءات الشاذة يبدأ بفتح الياء والدال.

وعلى أي حال فالآية تعليل لشدة بطشه تعالى وذلك أنه تعالى مبدىء يوجد ما يريده من شيء إيجادا ابتدائيا من غير أن يستمد على ذلك من شيء غير نفسه ، وهو تعالى يعيد كل ما كان إلى ما كان وكل حال فاتته إلى ما كانت عليه قبل الفوت فهو تعالى لا يمتنع عليه ما أراد ولا يفوته فائت زائل وإذ كان كذلك فهو القادر على أن يحمل على العبد المتعدي حده ، من العذاب ما هو فوق حده ووراء طاقته ويحفظه على ما هو عليه ليذوق العذاب قال تعالى:"و الذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها": فاطر: 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت