فهرس الكتاب

الصفحة 4245 من 4314

و المعنى فأنزل ربك على كل من هؤلاء الطاغين المكثرين للفساد إثر طغيانهم وإكثارهم الفساد عذابا شديدا متتابعا متواليا لا يوصف.

قوله تعالى:"إن ربك لبالمرصاد"المرصاد المكان الذي يرصد منه ويرقب وكونه تعالى على المرصاد استعارة تمثيلية شبه فيها حفظه تعالى لأعمال عباده بمن يقعد على المرصاد يرقب من يراد رقوبه فيأخذه حين يمر به وهو لا يشعر فالله سبحانه رقيب يرقب أعمال عباده حتى إذا طغوا وأكثروا الفساد أخذهم بأشد العذاب.

وفي الآية تعليل ما تقدم من حديث تعذيب الطغاة المكثرين للفساد من الماضين وفي قوله:"ربك"بإضافة الرب إلى ضمير الخطاب تلويح إلى أن سنة العذاب جارية في أمته (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما جرت عليه في الأمم الماضين.

قوله تعالى:"فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن"متفرع على ما قبله ، فيه تفصيل حال الإنسان إذا أوتي من نعم الدنيا أو حرم كأنه قيل: إن الإنسان تحت رقوب إلهي يرصده ربه هل يصلح أو يفسد؟ ويبتليه ويمتحنه فيما آتاه من نعمة أو حرمة هذا هو الأمر في نفسه وأما الإنسان فإنه إذا أنعم الله عليه بنعمة حسب أن ذلك إكرام إلهي له أن يفعل بها ما يشاء فيطغى ويكثر الفساد ، وإذا أمسك وقدر عليه رزقه حسب أنه إهانة إلهية فيكفر ويجزع.

فقوله:"فأما الإنسان"المراد به النوع بحسب الطبع الأولي فاللام للجنس دون الاستغراق.

وقوله:"إذا ما ابتلاه ربه"أي امتحنه واختبره ، والعامل في الظرف محذوف تقديره كائنا إذا"إلخ"وقيل: العامل فيه"فيقول".

وقوله:"فأكرمه ونعمه"تفسير للابتلاء ، والمراد بالإكرام والتنعيم الصوريان وإن شئت فقل: الإكرام والتنعيم حدوثا لا بقاء أي أنه تعالى أكرمه وآتاه النعمة ليشكره ويعبده لكنه جعلها نقمة على نفسه تستتبع العذاب.

وقوله:"فيقول ربي أكرمن"أي جعلني على كرامة منه بالنعم التي آتانيها وإن شئت فقل: القدرة والجدة الموهوبتان إكرام وتنعيم حدوثا وبقاء فلي أن أفعل ما أشاء.

والجملة أعني قوله:"فيقول ربي أكرمن"حكاية ما يراه الإنسان بحسب الطبع ، وقول الإنسان:"ربي أكرمن"الظاهر في نسبة التدبير إلى الله سبحانه - ولا يقول به الوثنية والمنكرون للصانع - مبني على اعترافه بحسب الفطرة به تعالى وإن استنكف عنه لسانا ، وأيضا لرعاية المقابلة مع قوله:"إذا ما ابتلاه ربه".

قوله تعالى:"و أما إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن"أي وأما إذا ما امتحنه واختبره فضيق عليه رزقه فيقول ربي أذلني واستخف بي.

ويظهر من مجموع الآيتين أولا حيث كرر الابتلاء وأثبته في صورتي التنعيم والإمساك عنه أن إيتاء النعم والإمساك عنه جميعا من الابتلاء والامتحان الإلهي كما قال:"و نبلوكم بالشر والخير فتنة": الأنبياء: 35 لا كما يراه الإنسان.

وثانيا أن إيتاء النعم بما أنه فضل ورحمة إكرام إن لم يبدلها الإنسان نقما على نفسه.

وثالثا أن الآيتين معا تفيدان أن الإنسان يرى سعادته في الحياة هي التنعم في الدنيا بنعم الله تعالى وهو الكرامة عنده والحرمان منه شقاء عنده والحال أن الكرامة هي في التقرب إليه تعالى بالإيمان والعمل الصالح سواء في ذلك الغنى والفقر وأي وجدان وفقدان فإنما ذلك بلاء وامتحان.

ولهم في معنى الآيتين وجوه أخر تركنا التعرض لها لقلة الجدوى.

قوله تعالى:"كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين"ردع لقولهم: إن الكرامة هي في الغنى والتنعم ، وفي الفقر والفقدان هوان ومذلة ، والمعنى ليس كما تقولون وإنما إيتاؤه تعالى النعمة وإمساكه عنه كل ذلك ابتلاء وامتحان يختبر به حال الإنسان من حيث عبوديته.

وفي قوله:"بل لا تكرمون اليتيم"إلخ إضراب يؤكد الردع بذكر بعض التنعم الذي لا يجامع الكرامة البتة كعدم إكرامهم اليتيم بأكل تراثه ومنعه منه وعدم التحريض على إطعام المسكين حبا للمال فالفطرة الإنسانية لا يرتاب في أن لا كرامة في غنى هذا شأنه.

وفي الإضراب مضافا إلى أصل الردع تقريع ولتشديد هذا التقريع وقع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت