فهرس الكتاب

الصفحة 4250 من 4314

و تنكير"والد"للتعظيم والتفخيم ، والتعبير بقوله"و ما ولد"دون أن يقال: ومن ولد ، للدلالة على التعجيب من أمره مدحا كما في قوله:"و الله أعلم بما وضعت": آل عمران: 36.

والمعنى وأقسم بوالد عظيم الشأن هو إبراهيم وما ولد من ولد عجيب أمره مبارك أثره وهو إسماعيل ابنه وهما البانيان لهذا البلد فمفاد الآيات الثلاث الإقسام بمكة المشرفة وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو حل فيها وبإبراهيم وإسماعيل اللذين بنياها.

وقيل: المراد بالوالد إبراهيم وبما ولد جميع أولاده من العرب.

وفيه أن من البعيد أن يقارن الله سبحانه بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإبراهيم (عليه السلام) وبين أمثال أبي لهب وأبي جهل وغيرهم من أئمة الكفر فيقسم بهم جميعا في سياق ، وقد تبرأ إبراهيم (عليه السلام) ممن لم يتبعه من بنيه على التوحيد إذ قال فيما حكاه الله:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم": إبراهيم: 36.

فعلى من يفسر ما ولد بأولاد إبراهيم أن يخصهم بالمسلمين من ذريته كما في دعاء إبراهيم وإسماعيل عند بنائهما الكعبة على ما حكاه الله:"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا": البقرة: 128.

وقيل: المراد بوالد وما ولد ، آدم (عليه السلام) وذريته جميعا بتقريب أن المقسم عليه بهذه الأقسام خلق الإنسان في كبد وقد سن الله في خلق هذا النوع وإبقاء وجوده سنة الولادة فقد أقسم في هذه الآيات بمحصول هذه السنة وهو الوالد وما ولد على أن الإنسان في كد وتعب بحسب نوع خلقته من حين يحيى إلى حين يموت.

وهذا الوجه في نفسه لا بأس به لكن يبقى عليه بيان المناسبة بين بلدة مكة وبين والد وكل مولود في الجمع بينهما في الأقسام.

وقيل: المراد بهما آدم والصالحون من ذريته ، وكان الوجه فيه تنزيهه تعالى من أن يقسم بأعدائه الطغاة والمفسدين من الكفار والفساق.

وقيل: المراد بهما كل والد وكل مولود وقيل: من يلد ومن لا يلد منهم بأخذ"ما"في"ما ولد"نافية لا موصولة.

وقيل: المراد بوالد هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبما ولد أمته لأنه بمنزلة الأب لأمته وهي وجوه بعيدة.

قوله تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في كبد"الكبد الكد والتعب ، والجملة جواب القسم فاشتمال الكبد على خلق الإنسان وإحاطة الكد والتعب به في جميع شئون حياته مما لا يخفى على ذي لب فليس يقصد نعمة من نعم الدنيا إلا خالصة في طيبها محضة في هنائها ولا ينال شيئا منها إلا مشوبة بما ينغص العيش مقرونة بمقاساة ومكابدة مضافا إلى ما يصيبه من نوائب الدهر ويفاجئه من طوارق الحدثان.

قوله تعالى:"أ يحسب أن لن يقدر عليه أحد"بمنزلة النتيجة لحجة الآية السابقة تقريرها أن الإنسان لما كانت خلقته مبنية على كبد مظروفة له لا ينال قط شيئا مما يريد إلا دون ما يريد أو غير ما يريد فهو محاط في خلقه مغلوب في إرادته مقهور فيما قدر له من الأمر والذي يغلبه في إرادته ويقهره على التلبس بما قدر له وهو الله سبحانه يقدر عليه من كل جهة فله أن يتصرف فيه بما شاء ويأخذه إذا أراد.

فليس للإنسان أن يحسب أن لن يقدر عليه أحد فيدعوه ذلك إلى أن يعلو على الله ويستكبر عن عبادته أو يعطيه في بعض ما أمر به كالإنفاق في سبيله فيستكثره ويمتن به على الله أو يمكر به تعالى بعد ما عمله رياء وسمعة عملا لوجه الكريم فيقول: أهلكت مالا لبدا.

قوله تعالى:"يقول أهلكت مالا لبدا"اللبد الكثير ، سياق الآية وما يتلوها من الآيات إلى آخر السورة مشعر بأنه كان هناك بعض من أظهر الإسلام أو مال إليه فقد أنفق بعض ماله وامتن به مستكثرا له بقوله:"أهلكت مالا لبدا"فنزلت الآيات ورد الله عليه بأن الفوز بميمنة الحياة لا يتم إلا باقتحام عقبة الإنفاق في سبيل الله والدخول في زمرة الذين آمنوا وتواصوا بالصبر والمرحمة ، ويتأيد به ما سيأتي في البحث الروائي إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت