قوله تعالى:"أ يحسب أن لم يره أحد"إنكار لما هو لازم قول الإنسان"أهلكت مالا لبدا"على طريق التكنية ومحصل المعنى أن لازم إخبار الإنسان بإهلاكه مالا لبدا أنه يحسب أنا في غفلة وجهل بما أنفق وقد أخطأ في ذلك فالله سبحانه بصير بما أنفق لكن هذا المقدار لا يكفي في الفوز بميمنة الحياة بل لا بد له من أن يتحمل ما هو أزيد من ذلك من مشاق العبودية فيقتحم العقبة ويكون مع المؤمنين في جميع ما هم فيه.
قوله تعالى:"أ لم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين"النجد الطريق المرتفع ، والمراد بالنجدين طريق الخير وطريق الشر وسميا النجدين لما في سلوك كل منهما من الجهد والكدح ، وفسرا بثديي الأم وهو بعيد.
وقوله:"أ لم نجعل له عينين"أي جهزناه في بدنه بما يبصر به فيحصل له العلم بالمرئيات على سعة نطاقها ، وقوله:"و لسانا وشفتين"أي أ ولم نجعل له لسانا وشفتين يستعين بها على التكلم والدلالة على ما في ضميره من العلم ويهتدي بذلك غيره على العلم بالأمور الغائبة عن البصر.
وقوله:"و هديناه النجدين"أي علمناه طريق الخير وطريق الشر بإلهام منا فهو يعرف الخير ويميزه من الشر فالآية في معنى قوله تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8.
وفي الآيات الثلاث حجة على قوله:"أ يحسب أن لم يره أحد"أي على أنه تعالى يرى أعمال عباده ويعلم ما في ضمائرهم من وجوه الأعمال ويميز الخير من الشر والحسنة من السيئة.
محصلها أن الله سبحانه هو الذي يعرف المرئيات للإنسان بوسيلة عينيه وكيف يتصور أن يعرفه أمرا وهو لا يعرفه؟ وهو الذي يدل الإنسان على ما في الضمير بواسطة الكلام وهل يعقل أن يكشف له عما هو في حجاب عنه؟ وهو الذي يعلم الإنسان ويميز له الخير والشر بالإلهام وهل يمكن معه أن يكون هو نفسه لا يعلم به ولا يميزه؟ فهو تعالى يرى ما عمله الإنسان ويعلم ما ينويه بعمله ويميز كونه خيرا أو شرا وحسنة أو سيئة.
قوله تعالى:"فلا اقتحم العقبة"الاقتحام الدخول بسرعة وضغط وشدة ، والعقبة الطريق الصعب الوعر الذي فيه صعود من الجبل ، واقتحام العقبة إشارة إلى الإنفاق الذي يشق على منفقه كما سيصرح به.
وقيل: الجملة دعاء على الإنسان القائل: أهلكت مالا لبدا ، وليس بشيء.
قوله تعالى:"و ما أدراك ما العقبة"تفخيم لشأنها كما مر في نظائره.
قوله تعالى:"فك رقبة"أي عتقها وتحريرها أو التقدير هي أي العقبة فك رقبة فالمراد بالعقبة نفس الفك الذي هو العمل واقتحامه الإتيان به ، والإتيان بالعمل نفس العمل.
وبه يظهر فساد قول بعضهم إن فك رقبة اقتحام للعقبة لا نفس العقبة فهناك مضاف محذوف يعود إليه الضمير والتقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة هو - أي الاقتحام - فك رقبة.
وما ذكر في بيان العقبة من فك الرقبة والإطعام في يوم ذي مسغبة من مصاديق نشر الرحمة خص بالذكر لمكان الأهمية ، وقدم فك الرقبة وابتدىء به لكمال عناية الدين بفك الرقاب.
قوله تعالى:"أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة"المسغبة المجاعة ، والمقربة القرابة بالنسب ، والمتربة من التراب ومعناها الالتصاق بالتراب من شدة الفقر ، والمعنى أو إطعام في يوم المجاعة يتيما من ذي القربى أو مسكينا شديد الفقر.
قوله تعالى:"ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة"المرحمة مصدر ميمي من الرحمة ، والتواصي بالصبر وصية بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله والتواصي بالمرحمة وصية بعضهم بعضا بالرحمة على ذوي الفقر والفاقة والمسكنة.
والجملة أعني قوله:"ثم كان"إلخ معطوفة على قول:"اقتحم"والتقدير فلا اقتحم العقبة ولا كان من الذين آمنوا"إلخ"وقيل فيها غير ذلك مما لا جدوى فيه.
قوله تعالى:"أولئك أصحاب الميمنة"بمعنى اليمن مقابل الشؤم ، والإشارة بأولئك إلى ما يدل عليه السياق السابق أي الذين اقتحموا العقبة وكانوا من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر والمرحمة أصحاب اليمن لا يرون مما قدموه من الإيمان وعملهم الصالح إلا أمرا مباركا جميلا مرضيا.
وقيل: المراد بالميمنة جهة اليمين وأصحاب الميمنة هم الذين يؤتون كتابهم بيمينهم ، ومقابلة الميمنة بالمشأمة لا تلائمه.