فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 4314

و لما كان ذيل الآية متعرضا لمسألة القتال مرتبطا بها والآيات المتقدمة على الآية أيضا راجعة إلى القتال بالأمر به والاقتصاص فيه لم يكن مناص من كون هذه القطعة من الكلام أعني قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا إلى قوله بروح القدس مقدمة لتبيين ما في ذيل الآية من قوله: ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم إلى قوله تعالى: ولكن الله يفعل ما يريد.

وعلى هذا فصدر الآية لبيان أن مقام الرسالة على اشتراكه بين الرسل (عليهم السلام) مقام تنمو فيه الخيرات والبركات ، وتنبع فيه الكمال والسعادة ودرجات القربى والزلفى كالتكليم الإلهي وإيتاء البينات والتأييد بروح القدس ، وهذا المقام على ما فيه من الخير والكمال لم يوجب ارتفاع القتال لاستناده إلى اختلاف الناس أنفسهم.

وبعبارة أخرى محصل معنى الآية أن الرسالة على ما هي عليه من الفضيلة مقام تنمو فيه الخيرات كلما انعطفت إلى جانب منه وجدت فضلا جديدا ، وكلما ملت إلى نحو من أنحائه ألفيت غضا طريا ، وهذا المقام على ما فيه من البهاء والسناء والإتيان بالآيات البينات لا يتم به رفع الاختلاف بين الناس بالكفر والإيمان ، فإن هذا الاختلاف إنما يستند إلى أنفسهم فهم أنفسهم أوجدوا هذا الاختلاف كما قال تعالى في موضع آخر:"إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم:"آل عمران - 19 ، وقد مر بيانه في قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة:"البقرة - 213.

ولو شاء الله لمنع من هذا القتال الواقع بعدهم منعا تكوينيا ، لكنهم اختلفوا فيما بينهم بغيا وقد أجرى الله في سنة الإيجاد سببية ومسببية بين الأشياء والاختلاف من علل التنازع ، ولو شاء الله تعالى لمنع من هذا القتال منعا تشريعيا أو لم يأمر به؟ ولكنه تعالى أمر به وأراد بأمره البلاء والامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن الكاذبين.

وبالجملة القتال بين أمم الأنبياء بعدهم لا مناص عنه لمكان الاختلاف عن بغي ، والرسالة وبيناتها إنما تدحض الباطل وتزيل الشبه.

وأما البغي واللجاج وما يشابههما من الرذائل فلا سبيل إلى تصفية الأرض منها ، وإصلاح النوع فيها إلا القتال ، فإن التجارب يعطي أن الحجة لم تنجح وحدها قط إلا إذا شفع بالسيف ، ولذلك كان كلما اقتضت المصلحة أمر الله سبحانه بالقيام للحق والجهاد في سبيل الله كما في عهد إبراهيم وبني إسرائيل ، وبعد بعثة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد مر بعض الكلام في هذا المعنى في تفسير آيات القتال سابقا.

قوله تعالى: منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ، في الجملتين التفات من الحضور إلى الغيبة ، والوجه فيه والله أعلم - أن الصفات الفاضلة على قسمين: منها ما هو بحسب نفس مدلول الاسم يدل على الفضيلة كالآيات البينات ، وكالتأييد بروح القدس كما ذكر لعيسى (عليه السلام) فإن هذه الخصال بنفسها غالية سامية ، ومنها: ما ليس كذلك ، وإنما يدل على الفضيلة ويستلزم المنقبة بواسطة الإضافة كالتكليم ، فإنه لا يعد في نفسه منقبة وفضيلة إلا أن يضاف إلى شيء فيكتسب منه البهاء والفضل كإضافته إلى الله عز اسمه ، وكذا رفع الدرجات لا فضيلة فيه بنفسه إلا أن يقال: رفع الله الدرجات مثلا فينسب الرفع إلى الله ، إذا عرفت هذا علمت: أن هذا هو الوجه في الالتفات من الحضور إلى الغيبة في اثنتين من الجمل الثلاث حيث قال تعالى: فمنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات ، فحول وجه الكلام من التكلم إلى الغيبة في الجملتين الأوليين حتى إذا استوفى الغرض عاد إلى وجه الكلام الأول وهو التكلم فقال تعالى: وآتينا عيسى بن مريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت