فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 4314

و قد اختلف المفسرون في المراد من الجملتين من هو؟ فقيل المراد بمن كلم الله: موسى (عليه السلام) لقوله تعالى:"و كلم الله موسى تكليما:"النساء - 164 ، وغيره من الآيات ، وقيل المراد به رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كلمه الله تعالى ليلة المعراج حيث قربه إليه تقريبا سقطت به الوسائط جملة فكلمه بالوحي من غير واسطة ، قال تعالى:"ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى:"النجم - 10 ، وقيل المراد به الوحي مطلقا لأن الوحي تكليم خفي ، وقد سماه الله تعالى تكليما حيث قال:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب:"الآية الشورى - 51 ، وهذا الوجه لا يلائم من التبعيضية التي في قوله تعالى: منهم من كلم الله.

والأوفق بالمقام كون المراد به موسى (عليه السلام) لأن تكليمه هو المعهود من كلامه تعالى النازل قبل هذه السورة المدنية ، قال تعالى:"و لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه إلى أن قال: قال يا موسى: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي: الأعراف - 143 ، وهي آية مكية فقد كان كون موسى مكلما معهودا عند نزول هذه الآية."

وكذا في قوله: ورفع بعضهم درجات ، قيل المراد به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الله رفع درجته في تفضيله على جميع الرسل ببعثته إلى كافة الخلق كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس: السبأ - 28 ، وبجعله رحمة للعالمين كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين: الأنبياء - 107 ، وبجعله خاتما للنبوة كما قال تعالى: ولكن رسول الله وخاتم النبيين: الأحزاب - 40 ، وبإيتائه قرآنا مهيمنا على جميع الكتب وتبيانا لكل شيء ومحفوظا من تحريف المبطلين ، ومعجزا باقيا ببقاء الدنيا كما قال تعالى: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه: المائدة - 48 ، وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء: النحل - 89 ، وقال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون: الحجر - 6 وقال تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا: الإسراء - 88 ، وباختصاصه بدين قيم يقوم على جميع مصالح الدنيا والآخرة ، قال تعالى: فأقم وجهك للدين القيم: الروم - 43 ، وقيل المراد به ما رفع الله من درجة غير واحد من الأنبياء كما يدل عليه قوله تعالى في نوح: سلام على نوح في العالمين: الصافات - 79 ، وقوله تعالى في إبراهيم (عليه السلام) : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما: البقرة - 124 ، وقوله تعالى فيه واجعل لي لسان صدق في الآخرين: الشعراء - 84 ، وقوله تعالى في إدريس (عليه السلام) ورفعناه مكانا عليا: مريم - 57 ، وقوله تعالى في يوسف: نرفع درجات من نشاء: يوسف - 76 ، وقوله في داود (عليه السلام) : وآتينا داود زبورا: النساء - 163 ، إلى غير ذلك من مختصات الأنبياء.

وكذا قيل: إن المراد بالرسل في الآية هم الذين اختصوا بالذكر في سورة البقرة كإبراهيم وموسى وعيسى وعزير وأرميا وشموئيل وداود ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ذكر موسى وعيسى من بينهم وبقي الباقون ، فالبعض المرفوع الدرجة هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنسبة إلى الباقين ، وقيل: لما كان المراد بالرسل في الآية هم الذين ذكرهم الله قبيل الآية في القصة وهم موسى وداود وشموئيل ومحمد ، وقد ذكر ما اختص به موسى من التكليم ثم ذكر رفع الدرجات وليس له إلا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويمكن أن يوجه التصريح باسم عيسى على هذا القول: بأن يقال: إن الوجه فيه عدم سبق ذكره (عليه السلام) فيمن ذكر من الأنبياء في هذه الآيات.

والذي ينبغي أن يقال: إنه لا شك أن ما رفع الله به درجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقصود في الآية غير أنه لا وجه لتخصيص الآية به ، ولا بمن ذكر في هذه الآيات أعني أرميا وشموئيل وداود ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا بمن ذكر في هذه السورة من الأنبياء فإن كل ذلك تحكم من غير وجه ظاهر ، بل الظاهر من إطلاق الآية شمول الرسل لجميع الرسل (عليهم السلام) وشمول البعض في قوله تعالى: ورفع بعضهم درجات ، لكل من أنعم الله عليه منهم برفع الدرجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت