و لازم هاتين المقدمتين أعني عموم الهداية وانتفاء الخطإ في التكوين أن يكون لكل شيء روابط حقيقية مع غيره ، وأن يكون بين كل شيء وبين الآثار والغايات التي يقصد لها طريق أو طرق مخصوصة هي المسلوكة للبلوغ إلى غايته والأثر المخصوص المقصود منه ، وكذلك الغايات والمقاصد الوجودية إنما تنال إذا سلك إليها من الطرق الخاصة بها والسبل الموصلة إليها ، فالبذرة إنما تنبت الشجرة التي في قوتها إنباتها مع سلوك الطريق المؤدي إليها بأسبابها وشرائطها الخاصة ، وكذلك الشجرة إنما تثمر الثمرة التي من شأنها أثمارها ، فما كل سبب يؤدي إلى كل مسبب ، قال تعالى:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا:"الأعراف - 58 ، والعقل والحس يشهدان بذلك وإلا اختل قانون العلية العام.
وإذا كان كذلك فالصنع والإيجاد يهدي كل شيء إلى غاية خاصة ، ولا يهديه إلى غيرها ، ويهدي إلى كل غاية من طريق خاص لا يهدي إليها من غيره ، صنع الله التي أتقن كل شيء ، فكل سلسلة من هذه السلاسل الوجودية الموصلة إلى غاية وأثر إذا فرضنا تبدل حلقة من حلقاتها أوجب ذلك تبدل أثرها لا محالة ، هذا في الأمور التكوينية.
والأمور غير التكوينية من الاعتبارات الاجتماعية وغيرها على هذا الوصف أيضا من حيث إنها نتائج الفطرة المتكئة على التكوين ، فالشئون الاجتماعية والمقامات التي فيه والأفعال التي تصدر عنها كل منها مرتبط بآثار وغايات لا تتولد منه إلا تلك الآثار والغايات ولا تتولد هي إلا منه ، فالتربية الصالحة لا تتحقق إلا من مرب صالح والمربي الفاسد لا يترتب على تربيته إلا الأثر الفاسد ذاك الفساد المكمون في نفسه وإن تظاهر بالصلاح ولازم الطريق المستقيم في تربيته ، وضرب على الفساد المطوي في نفسه بمائة ستر واحتجب دونه بألف حجاب ، وكذلك الحاكم المتغلب في حكومته ، والقاضي الواثب على مسند القضاء بغير لياقة في قضائه ، وكل من تقلد منصبا اجتماعيا من غير طريقه المشروع ، وكذلك كل فعل باطل بوجه من وجوه البطلان إذا تشبه بالحق وحل بذلك محل الفعل الحق ، والقول الباطل إذا وضع موضع القول الحق كالخيانة موضع الأمانة والإساءة موضع الإحسان والمكر موضع النصح والكذب موضع الصدق فكل ذلك سيظهر أثرها ويقطع دابرها وإن اشتبه أمرها أياما ، وتلبس بلباس الصدق والحق أحيانا ، سنة الله التي جرت في خلقه ولن تجد لسنة الله تحويلا ولن تجد لسنة الله تبديلا.
فالحق لا يموت ولا يتزلزل أثره ، وإن خفي على إدراك المدركين أويقات ، والباطل لا يثبت ولا يبقى أثره ، وإن كان ربما اشتبه أمره ووباله ، قال تعالى:"ليحق الحق ويبطل الباطل:"الأنفال: - 8 ، من تحقيق الحق تثبيت أثره ، ومن إبطال الباطل ظهور فساده وانتزاع ما تلبس به من لباس الحق بالتشبه والتمويه ، وقال تعالى:"أ لم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء:"إبراهيم - 27 ، وقد أطلق الظالمين فالله يضلهم في شأنهم ، ولا شأن لهم إلا أنهم يريدون آثار الحق من غير طريقها أعني: من طريق الباطل كما قال تعالى - حكاية عن يوسف الصديق:"قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون:"يوسف - 23 ، فالظالم لا يفلح في ظلمه ، ولا أن ظلمه يهديه إلى ما يهتدي إليه المحسن بإحسانه والمتقي بتقواه ، قال تعالى:"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت - 69 ، وقال تعالى:"و العاقبة للتقوى:"طه - 132.
والآيات القرآنية في هذه المعاني كثيرة على اختلافها في مضامينها المتفرقة ، ومن أجمعها وأتمها بيانا فيه قوله تعالى:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال:"الرعد - 17.