فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 4314

و قد مرت الإشارة إلى أن العقل يؤيده ، فإن ذلك لازم كلية قانون العلية والمعلولية الجارية بين أجزاء العالم وإن التجربة القطعية الحاصلة من تكرر الحس تشهد به ، فما منا من أحد إلا وفي ذكره أخبار محفوظة من عاقبة أمر الظالمين وانقطاع دابرهم.

قوله تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، الخاوية هي الخالية يقال: خوت الدار تخوي خواء إذا خلت ، والعروش جمع العرش وهو ما يعمل مثل السقف للكرم قائما على أعمدة ، قال تعالى:"جنات معروشات وغير معروشات:"الأنعام - 141 ، ومن هنا أطلق على سقف البيت العرش ، لكن بينهما فرقا ، فإن السقف هو ما يقوم من السطح على الجدران والعرش هو السقف مع الأركان التي يعتمد عليها كهيئة عرش الكرم ، ولذا صح أن يقال في الديار إنها خالية على عروشها ولا يصح أن يقال: خالية على سقفها.

وقد ذكر المفسرون وجوها في توجيه العطف في قوله تعالى: أو كالذي ، فقيل: إنه عطف على قوله في الآية السابقة: الذي حاج إبراهيم ، والكاف اسمية ، والمعنى أو هل رأيت مثل الذي مر على قرية"إلخ"، وقد جيء بهذا الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد ، وقيل: بل الكاف زائدة ، والمعنى: أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر على قرية"إلخ"، وقيل: إنه عطف محمول على المعنى ، والمعنى: أ لم تر كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية ، وقيل: إنه من كلام إبراهيم جوابا عن دعوى الخصم أنه يحيي ويميت ، والتقدير: وإن كنت تحيي فأحي كإحياء الذي مر على قرية"إلخ"فهذه وجوه ذكروه في الآية لتوجيه العطف لكن الجميع كما ترى.

وأظن - والله أعلم - أن العطف على المعنى كما مر في الوجه الثالث إلا أن التقدير غير التقدير ، توضيحه: أن الله سبحانه لما ذكر قوله: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، تحصل من ذلك: أنه يهدي المؤمنين إلى الحق ولا يهدي الكافر في كفره بل يضله أولياؤه الذين اتخذته من دون الله أولياء ، ثم ذكر لذلك شواهد ثلاث يبين بها أقسام هدايته تعالى ، وهي مراتب ثلاث مترتبة: أولاها: الهداية إلى الحق بالبرهان والاستدلال كما في قصة الذي حاج إبراهيم في ربه ، حيث هدى إبراهيم إلى حق القول ، ولم يهد الذي حاجه بل أبهته وأضله كفره ، وإنما لم يصرح بهداية إبراهيم بل وضع عمدة الكلام في أمر خصمه ليدل على فائدة جديدة يدل عليها قوله: والله لا يهدي القوم الظالمين.

والثانية: الهداية إلى الحق بالإراءة والإشهاد كما في قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فإنه بين له ما أشكل عليه من أمر الإحياء بإماتته وإحيائه وسائر ما ذكره في الآية ، كل ذلك بالإراءة والإشهاد.

الثالثة: الهداية إلى الحق وبيان الواقعة بإشهاد الحقيقة والعلة التي تترشح منه الحادثة ، وبعبارة أخرى بإراءة السبب والمسبب معا ، وهذا أقوى مراتب الهداية والبيان وأعلاها وأسناها كما أن من كان لم ير الجبن مثلا وارتاب في أمره تزاح شبهته تارة بالاستشهاد بمن شاهده وأكل منه وذاق طعمه.

وتارة بإراءته قطعة من الجبن وإذاقته طعمه وتارة بإحضار الحليب وعصارة الإنفحة وخلط مقدار منها به حتى يجمد ثم إذاقته شيئا منه وهي أنفى المراتب للشبهة.

إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن المقام في الآيات الثلاث - وهو مقام الاستشهاد - يصح فيه جميع السياقات الثلاث في إلقاء المراد إلى المخاطب بأن يقال: إن الله يهدي المؤمنين إلى الحق: أ لم تر إلى قصة إبراهيم ونمرود ، أو لم تر إلى قصة الذي مر على قرية ، أو لم تر إلى قصة إبراهيم والطير ، أو يقال إن الله يهدي المؤمنين إلى الحق: إما كما هدى إبراهيم في قصة المحاجة وهي نوع من الهداية ، أو كالذي مر على قرية وهي نوع آخر ، أو كما في قصة إبراهيم والطير وهي نوع آخر ، أو يقال: إن الله يهدي المؤمنين إلى الحق وأذكرك ما يشهد بذلك فاذكر قصة المحاجة ، واذكر الذي مر على قرية ، واذكر إذ قال إبراهيم رب أرني.

فهذا ما يقبله الآيات الثلاث من السياق بحسب المقام ، غير أن الله سبحانه أخذ بالتفنن في البيان وخص كل واحدة من الآيات الثلاث بواحد من السياقات الثلاث تنشيطا لذهن المخاطب واستيفاء لجميع الفوائد السياقية الممكنة الاستيفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت