فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 4314

و من هنا يظهر: أن قوله تعالى: أو كالذي ، معطوف على مقدر يدل عليه الآية السابقة ، والتقدير: إما كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية ، ويظهر أيضا أن قوله في الآية التالية: وإذ قال إبراهيم ، معطوف على مقدر مدلول عليه بالآية السابقة والتقدير: اذكر قصة المحاجة وقصة الذي مر على قرية ، واذكر إذ قال إبراهيم رب أرني"إلخ".

وقد أبهم الله سبحانه اسم هذا الذي مر على قرية واسم القرية والقوم الذين كانوا يسكنونها ، والقوم الذين بعث هذا المار آية لهم كما يدل عليه قوله ولنجعلك آية للناس ، مع أن الأنسب في مقام الاستشهاد الإشارة إلى أسمائهم ليكون أنفى للشبهة.

لكن الآية وهي الإحياء بعد الموت وكذا أمر الهداية بهذا النحو من الصنع لما كانت أمرا عظيما ، وقد وقعت موقع الاستبعاد والاستعظام ، كان مقتضى البلاغة أن يعبر عنها المتكلم الحكيم القدير بلحن الاستهانة والاستصغار لكسر سورة استبعاد المخاطب والسامعين كما أن العظماء يتكلمون عن عظماء الرجال وعظائم الأمور بالتصغير والتهوين تعظيما لمقام أنفسهم ، ولذلك أبهم في الآية كثير من جهات القصة مما لا يتقوم به أصلها ليدل على هوان أمرها على الله ، ولذلك أيضا أبهم خصم إبراهيم في الآية السابقة وأبهم جهات القصة من أسماء الطيور وأسماء الجبال وعدد الأجزاء وغيرها في الآية اللاحقة.

وأما التصريح باسم إبراهيم (عليه السلام) فإن للقرآن عناية تشريف به (عليه السلام) ، قال تعالى:"و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه:"الأنعام - 83 ، وقال تعالى:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين:"الأنعام - 75 ، ففي ذكره (عليه السلام) بالاسم عناية خاصة.

ولما ذكرناه من النكتة ترى أنه تعالى يذكر أمر الإحياء والإماتة في غالب الموارد من كلامه بما لا يخلو من الاستهانة والاستصغار ، قال تعالى:"و هو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم:"الروم - 27 ، وقال تعالى:"قال رب أنى يكون لي غلام - إلى قوله: - قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا:"مريم - 9.

قوله تعالى: قال أنى يحيي هذه الله ، أي أنى يحيي الله أهل هذه القرية ففيه مجاز كما في قوله تعالى:"و اسأل القرية": يوسف - 82.

وإنما قال هذا القول استعظاما للأمر ولقدرة الله سبحانه من غير استبعاد يؤدي إلى الإنكار أو ينشأ منه ، والدليل على ذلك قوله على ما حكى الله تعالى عنه في آخر القصة: أعلم أن الله على كل شيء قدير ولم يقل: الآن كما في ما يماثله من قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز:"الآن حصحص الحق": يوسف - 51 ، وسيجيء توضيحه قريبا.

على أن الرجل نبي مكلم وآية مبعوثة إلى الناس والأنبياء معصومون حاشاهم عن الشك والارتياب في البعث الذي هو أحد أصول الدين.

قوله تعالى: فأماته الله مائة عام ثم بعثه ، ظاهره توفيه بقبض روحه وإبقاؤه على هذا الحال مائة عام ثم إحياؤه برد روحه إليه.

وقد ذكر بعض المفسرين: أن المراد بالموت هو الحال المسمى عند الأطباء بالسبات وهو أن يفقد الموجود الحي الحس والشعور مع بقاء أصل الحياة مدة من الزمان ، أياما أو شهورا أو سنين ، كما أنه الظاهر من قصة أصحاب الكهف ورقودهم ثلاثمائة وتسع سنين ثم بعثهم عن الرقدة واحتجاجه تعالى به على البعث فالقصة تشبه القصة.

قال: والذي وجد من موارد اتفاقه لا يزيد على سنين معدودة فسبات مائة سنة أمر غير مألوف وخارق للعادة لكن القادر على توفي الإنسان بالسبات زمانا كعدة سنين قادر على إلقاء السبات مائة سنة ، ولا يشترط عندنا في التسليم بما تواتر به النص من آيات الله تعالى وأخذها على ظاهرها إلا أن تكون من الممكنات دون المستحيلات ، فقد احتج الله بهذا السبات ورجوع الحس والشعور إليه ثانيا بعد سلبه مائة سنة على إمكان رجوع الحياة إلى الأموات بعد سلبها عنهم ألوفا من السنين ، هذا ملخص ما ذكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت