فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 4314

ثم إنه تعمق في الاعتبار فهاله ما شاهده منها فاستعظم طول مدة مكثها مع ما يصاحبه من تحولها من حال إلى حال ، وتطورها من صورة إلى صورة بحيث يصير الأصل نسيا منسيا ، وعند ذلك قال: أنى يحيي هذه الله ، وقد كان هذا الكلام ينحل إلى جهتين:"إحداهما": استعظام طول المدة والإحياء مع ذلك ،"و الثانية": استعظام رجوع الأجزاء إلى صورتها الأولى الفانية بعد عروض هذه التغيرات غير المحصورة ، فبين الله له الأمر من الجهتين جميعا: أما من الجهة الأولى فبإماتته ثم إحيائه وسؤاله وأما من الجهة الثانية فبإحياء العظام بمنظر ومرأى منه.

فأماته الله مائة عام ثم بعثه ، وقد كان الإماتة والإحياء في وقتين مختلفين من النهار كما مر ذكره ، قال كم لبثت ، قال لبثت يوما أو بعض يوم نظرا إلى اختلاف الوقتين ، وقد كان موته في الطرف المقدم من النهار وبعثه في الطرف المؤخر منه ولو كان بالعكس من ذلك لقال: لبثت يوما من غير ترديد ، فرد الله سبحانه عليه وقال: بل لبثت مائة عام ، فرأى من نفسه أنه شاهد مائة سنة كيوم أو بعض يوم ، فكان فيه جواب ما استعظمه من طول المكث.

ثم استشهد تعالى على قوله: بل لبثت مائة عام بقوله: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك! وذلك: أن قوله: لبثت يوما أو بعض يوم يدل على أنه لم يحس بشيء من طول المدة وقصره ، وإنما استدل على ما ذكره بما شاهد من حال النهار من شمس أو ظل ونحوهما ، فلما أجيب بقوله تعالى: بل لبثت مائة عام كان الجواب في مظنة أن يرتاب فيه من جهة ما كان يشاهد نفسه ولم يتغير شيء من هيئة بدنه ، والإنسان إذا مات ومضى عليه مائة سنة على طولها تغير لا محالة بدنه عما هو عليه من النضارة والطراوة وكان ترابا وعظاما رميمة ، فدفع الله تعالى هذا الذي يمكن أن يخطر بباله بأمره أن ينظر إلى طعامه وشرابه لم يتغير شيء منهما عما كان عليه وأن ينظر إلى الحمار وقد صار عظاما رميمة ، فحال الحمار يدل على طول مدة المكث وحال الطعام والشراب يدل على إمكان أن يبقى طول هذه المدة على حال واحد من غير أن يتغير شيء من هيئته عما هي عليه.

ومن هنا يظهر أن الحمار أيضا قد أميت وكان رميما وكان السكوت عن ذكر إماتته معه لما عليه القرآن من الأدب البارع.

وبالجملة تم عند ذلك البيان الإلهي: أن استعظامه طول المدة قد كان في غير محله حيث أخذ الله منه الاعتراف بأن مائة سنة - مدة لبثه - كيوم أو بعض يوم كما يأخذ اعتراف أهل الجمع يوم القيامة بمثل ما اعترف به ، فبين له أن تخلل الزمان بين الإماتة والإحياء بالطول والقصر لا يؤثر في قدرته الحاكمة على كل شيء ، فليست قدرة مادية زمانية حتى يتخلف حالها بعروض تغيرات أقل أو أزيد على المحل ، فيكون إحياء الموتى القديمة أصعب عليه من إحياء الموتى الجديدة ، بل البعيد عنده كالقريب من غير فرق كما قال تعالى:"إنهم يرونه بعيدا ونريه قريبا": المعارج - 7 ، وقال تعالى:"و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر:"النحل - 77.

ثم قال تعالى: ولنجعلك آية للناس ، عطف الغاية يدل على أن هناك غيرها من الغايات ، والمعنى أنا فعلنا بك ما فعلنا لنبين لك كذا وكذا ولنجعلك آية للناس فبين أن الغرض الإلهي لم يكن في ذلك منحصرا في بيان الأمر له نفسه بل هناك غاية أخرى وهي جعله آية للناس ، فالغرض من قوله: وانظر إلى العظام"إلخ"بيان الأمر له فقط ومن إماتته وإحيائه بيان الأمر له وجعله آية للناس ، ولذلك قدم قوله: ولنجعلك"إلخ"على قوله: وانظر إلى العظام"إلخ".

ومما بينا يظهر وجه تكرار قوله انظر ، ثلاث مرات في الآية ، فلكل واحد من الموارد الثلاث غرض خاص به لا يشاركه فيه غيره.

وكان في إماتته وإحيائه وبيان ذلك له بيان ما يجده الميت من نفسه إذا أحياه الله ليوم البعث كما قال تعالى:"و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون:"الروم - 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت