فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 4314

ثم بين الله له الجهة الثانية التي يشتمل عليه قوله: أنى يحيي هذه الله وهو: أنه كيف يعود الأجزاء إلى صورتها بعد كل هذه التغيرات والتحولات الطارئة عليها واستلفت نظره إلى العظام فقال: وانظر إلى العظام كيف ننشزها والإنشاز الإنماء ، وظاهر الآية أن المراد بالعظام عظام الحمار إذ لو كانت عظام أهل القرية لم تكن الآية منحصرة فيه كما هو ظاهر قوله: ولنجعلك آية بل شاركه فيه الموتى الذين أحياهم الله تعالى!.

ومن الغريب ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالعظام العظام التي في الأبدان الحية فإنها في نمائها واكتسائها باللحم من آيات البعث ، فإن الذي أعطاها الرشد والنماء بالحياة لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ، وقد احتج الله على البعث بمثلها وهو الأرض الميتة التي يحييها الله بالإنبات ، وهذا كما ترى تكلف من غير موجب.

وقد تبين من جميع ما مر أن جميع ما تشتمل عليه الآية من قوله: فأماته الله إلى آخر الآية جواب واحد غير مكرر لقوله: أنى يحيي هذه الله.

قوله تعالى: فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ، رجوع منه بعد التبين إلى علمه الذي كان معه قبل التبين ، كأنه (عليه السلام) لما خطر بباله الخاطر الذي ذكره بقوله: أنى يحيي هذه الله أقنع نفسه بما عنده من العلم بالقدرة المطلقة ثم لما بين الله له الأمر بيان إشهاد وعيان رجع إلى نفسه وصدق ما اعتمد عليه من العلم ، وقال لم تزل تنصح لي ولا تخونني في هدايتك وتقويمك وليس ما لا تزال نفسي تعتمد عليه من كون القدرة مطلقة جهلا ، بل علم يليق بالاعتماد عليه.

وهذا أمر كثير النظائر فكثيرا ما يكون للإنسان علم بشيء ثم يخطر بباله ويهجس في نفسه خاطر ينافيه ، لا للشك وبطلان العلم ، بل لأسباب وعوامل أخرى فيقنع نفسه حتى تنكشف الشبهة ثم يعود فيقول أعلم أن كذا كذا وليس كذا كذا فيقرر بذلك علمه ويطيب نفسه!.

وليس معنى الكلام: أنه لما تبين له الأمر حصل له العلم وقد كان شاكا قبل ذلك فقال أعلم"إلخ"كما مرت الإشارة إليه لأن الرجل كان نبيا مكلما وساحة الأنبياء منزه عن الجهل بالله وخاصة في مثل صفة القدرة التي هي من صفات الذات أولا: ولأن حق الكلام حينئذ أن يقال: علمت أو ما يؤدي معناه ثانيا: ولأن حصول العلم بتعلق القدرة بإحياء الموتى لا يوجب حصول العلم بتعلقها بكل شيء وقد قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير ، نعم ربما يحصل الحدس بذلك في بعض النفوس كمن يستعظم أمر الإحياء في القدرة فإذا شاهدها له ما شاهده وذهلت نفسه عن سائر الأمور فحكم بأن الذي يحيي الموتى يقدر على كل ما يريد أو أريد منه ، لكنه اعتقاد حدسي معلول الروع والاستعظام النفسانيين المذكورين ، يزول بزوالهما ولا يوجد لمن لم يشاهد ذلك ، وعلى أي حال لا يستحق التعويل والاعتماد عليه ، وحاشا أن يعد الكلام الإلهي مثل هذا الاعتقاد والقول نتيجة حسنة ممدوحة لبيان إلهي كما هو ظاهر قوله تعالى بعد سرد القصة: فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير ، على أنه خطأ في القول لا يليق بساحة الأنبياء ثالثا.

قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ، قد مر أنه معطوف على مقدر والتقدير: واذكر إذ قال"إلخ"وهو العامل في الظرف ، وقد احتمل بعضهم أن يكون عامل الظرف هو قوله: قال أ ولم تؤمن ، وترتيب الكلام: أ ولم تؤمن إذ قال إبراهيم رب أرني"إلخ"وليس بشيء.

وفي قوله: أرني كيف تحيي الموتى ، دلالة: أولا على أنه (عليه السلام) إنما سأل الرؤية دون البيان الاستدلالي ، فإن الأنبياء وخاصة مثل النبي الجليل إبراهيم الخليل أرفع قدرا من أن يعتقد البعث ولا حجة له عليه ، والاعتقاد النظري من غير حجة عليه إما اعتقاد تقليدي أو ناش عن اختلال فكري وشيء منهما لا ينطبق على إبراهيم (عليه السلام) ، على أنه (عليه السلام) إنما سأل ما سأل بلفظ كيف ، وإنما يستفهم بكيف عن خصوصية وجود الشيء لا عن أصل وجوده فإنك إذا قلت: أ رأيت زيدا كان معناه السؤال عن تحقق أصل الرؤية ، وإذا قلت: كيف رأيت زيدا كان أصل الرؤية مفروغا عنه وإنما السؤال عن خصوصيات الرؤية ، فظهر أنه (عليه السلام) إنما سأل البيان بالإراءة والإشهاد لا بالاحتجاج والاستدلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت