و ثالثا: أن إراءة كيفية الخلقة إن كان بمعنى مشاهدة كيفية تجمع أجزائها وتغير صورها إلى الصورة الأولى الحية فهي مما لا تحصل على ما ذكروه من تقطيعه الأجزاء ومزجه إياها ووضعه على جبل بعيد ، جزءا منها فكيف يتصور على هذا مشاهدة ما يعرض ذرات الأجزاء من الحركات المختلفة والتغيرات المتنوعة ، وإن كان المراد إراءة كيفية الإحياء بمعنى الإحاطة على كنه كلمة التكوين التي هي الإرادة الإلهية المتعلقة بوجود الشيء وحقيقة نطقها بالأشياء فظاهر القرآن وهو ما عليه المسلمون أن هذا غير ممكن للبشر ، فصفات الله منزهة عن الكيفية.
ورابعا: أن قوله: ثم اجعل ، يدل على التراخي الذي هو المناسب لمعنى التأنيس وكذلك قوله: فصرهن بخلاف ما ذكروه من معنى الذبح والتقطيع.
وخامسا: أنه لو كان كما يقولون لكان الأنسب هو ختم الآية باسم القدير دون الاسمين: العزيز الحكيم فإن العزيز هو الغالب الذي لا ينال ، هذا ما ذكروه.
وأنت بالتأمل في ما قدمناه من البيان تعرف سقوط ما ذكروه ، فإن اشتمال الآية على السؤال بلفظ أرني وقوله: كيف تحيي وإجراء الأمر بيد إبراهيم على ما مر بيانها كل ذلك ينافي هذا المعنى ، على أن الجزء في قوله تعالى: ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ظاهره جزء الطير لا واحد من الطيور.
وأما الوجوه التي ذكروها فالجواب عن الأول: أن معنى صرهن قطعهن ، وتعديته بإلى لمكان تضمينه معنى الإمالة كما في قوله تعالى:"الرفث إلى نسائكم": البقرة - 187 ، حيث ضمن معنى الإفضاء.
وعن الثاني: أن جميع الضمائر الأربع راجعة إلى الطيور ، والوجه في رجوع ضمير ادعهن ويأتينك إليها مع أنها غير موجودة بأجزائها وصورها بل هي موجودة بأجزائها فقط هو الوجه في رجوع الضمير إلى السماء مع عدم وجودها إلا بمادتها في قوله تعالى:"ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين:"فصلت - 10 ، وقوله تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن:"يس - 82 ، وحقيقة الأمر: أن الخطاب اللفظي فرع وجود المخاطب قبل الخطاب ، وأما الخطاب التكويني فالأمر فيه بالعكس ، والمخاطب فيه فرع الخطاب ، فإن الخطاب فيه هو الإيجاد ومن المعلوم أن الوجود فرع الإيجاد ، كما يشير إليه قوله تعالى: أن نقول له كن فيكون الآية فقوله فيكون إشارة إلى وجود الشيء المتفرع على قوله كن وهو خطاب الأمر.
وعن الثالث: أنا نختار الشق الثاني وأن السؤال إنما هو عن كيفية فعل الله سبحانه وإحيائه لا عن كيفية قبول المادة وحياتها ، وقوله: إن البشر لا يمكنه أن ينال كنه الإرادة الإلهية التي هي من صفاته كما يدل ظاهر القرآن وعليه المسلمون.
قلنا: إن الإرادة من صفات الفعل المنتزعة منه كالخلق والإحياء ونحوهما ، والذي لا سبيل إليه هو الذات المتعالية كما قال تعالى:"و لا يحيطون به علما:"طه - 110.
فالإراده منتزعة من الفعل ، وهو الإيجاد المتحد مع وجود الشيء ، وهو كلمة كن في قوله تعالى: أن نقول له كن فيكون ، وقد ذكر الله في تالي الآية أن هذه الكلمة - كلمة كن - هي ملكوت كل شيء إذ قال: فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء الآية ، وقد ذكر الله تعالى أنه أرى إبراهيم ملكوت خلقه إذ قال:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين:"الأنعام - 75 ، ومن الملكوت إحياء الطيور المذكورة في الآية.
ومنشأ هذه الشبهة ونظائرها من هؤلاء الباحثين أنهم يظنون أن دعوة إبراهيم (عليه السلام) للطيور في إحيائها ، وقول عيسى (عليه السلام) لميت عند إحيائه: قم بإذن الله وجريان الريح بأمر سليمان وغيرها مما يشتمل عليه الكتاب والسنة إنما هو لأثر وضعه الله تعالى في ألفاظهم المؤلفة من حروف الهجاء ، أو في إدراكهم التخيلي الذي تدل عليه ألفاظهم نظير النسبة التي بين ألفاظنا العادية ومعانيها وقد خفي عليهم أن ذلك إنما هو عن اتصال باطني بقوة إلهية غير مغلوبة وقدرة غير متناهية هي المؤثرة الفاعلة بالحقيقة.
وعن الرابع: أن التراخي المدلول عليه بقوله: ثم كما يناسب معنى التربية والتأنيس كما ذكروه يناسب معنى التقطيع وتفريق الأجزاء ووضعها على الجبال كما هو ظاهر.