فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 4314

و عن الخامس: أن الإشكال مقلوب عليهم فإن الذي ذكروه هو أن الله إنما بين كيفية الإحياء لإبراهيم بالبيان العلمي النظري دون الشهودي ، فيرد عليهم أن المناسب حينئذ ختم الآية بصفة القدرة دون العزة والحكمة ، وقد عرفت مما قدمنا أن الأنسب على ما بيناه من معنى الآية هو الختم بالاسمين: العزيز الحكيم كما في الآية.

ويظهر مما ذكرنا أيضا فساد ما ذكره بعض آخر من المفسرين: أن المراد بالسؤال في الآية إنما هو السؤال عن إشهاد كيفية الإحياء بمعنى كيفية قبول الأجزاء صورة الحياة.

قال: ما محصله: أن السؤال لم يكن في أمر ديني - والعياذ بالله - ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ليحيط علما بها ، وكيفية الإحياء لا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها فإبراهيم (عليه السلام) طلب علم لا يتوقف الإيمان على علمه ، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة كيف ، وموضوعها السؤال عن الحال ، ونظير هذا أن يقول القائل كيف يحكم زيد في الناس ، فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ، ولكنه سأل عن كيفية حكمه المعلوم ثبوته ، ولو كان سائلا عن ثبوت ذلك لقال: أ يحكم زيد في الناس ، وإنما جاء التقرير أعني قوله ، أ ولم تؤمن ، بعده لأن تلك الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهرا في السؤال عن الكيفية كما علمت إلا أنها قد تستعمل أيضا في الاستعجاز كما إذا ادعى مدع: أنه يحمل ثقلا من الأثقال وأنت تعلم بعجزه عن حمله فتقول له: أرني كيف تحمل هذا تريد أنك عاجز عن حمله ، والله سبحانه لما علم براءة إبراهيم (عليه السلام) عن الحوم حول هذا الحمى أراد أن ينطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى لكون إيمانه مخلصا بعبارة تنص عليه بحيث يفهمها كل من سمعها فهما لا يتخالجه فيه شك ، ومعنى الطمأنينة حينئذ سكون القلب عن الجولان في كيفيات الإحياء المحتملة بظهور التصوير المشاهد ، وعدم حصول هذه الطمأنينة قبل لا ينافي حصول الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل الوجودة ، ورؤية الكيفية لم يزد في إيمانه المطلوب منه شيئا ، وإنما أفادت أمرا لا يجب الإيمان به.

ثم قال بعد كلام له طويل: إن الآية تدل على فضل إبراهيم (عليه السلام) حيث أراه الله سبحانه ما سأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه ، وأرى عزيرا ما أراه بعد ما أماته مائة عام.

وأنت بالتدبر في الآية والتأمل فيما قدمناه من البيان تعرف سقوط ما ذكره فإن السؤال إنما وقع عن كيفية إحيائه تعالى لا عن كيفية قبول الأجزاء الحياة ثانيا فقد قيل: كيف تحيي ، بضم التاء لا بفتحها ، على أن إجراء الأمر على يد إبراهيم (عليه السلام) يدل على ذلك ولو كان السؤال عن كيفية القبول لكفى في ذلك إراءة شيء من الموتى يحييه الله كما في قصة المار على القرية الخاوية في الآية السابقة حيث قال تعالى: وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ، ولم تكن حاجة إلى إجراء الإحياء على يد إبراهيم (عليه السلام) ، وهذا هو الذي أشرنا إليه آنفا: أنهم يقيسون نفوس الأنبياء في تلقيهم المعارف الإلهية ومصدريتهم للأمور الخارقة بنفوسهم العادية فينتج ذلك مثلا: أن لا فرق بين تكون الحياة بيد إبراهيم وتكونه في الخارج بالنسبة إلى حال إبراهيم ، وهذا أمر لا يخطر على بال الباحث عن الحقائق الخبير بها ، لكن هؤلاء لإهمالهم أمر الحقائق وقعوا فيما وقعوا فيه من الفساد ، وكلما أمعنوا في البحث زادوا بعدا عن الحق.

أ لا ترى أنه فسر الطمأنينة بارتفاع الخطورات في الصور المحتملة في التكون والأشكال المتصورة مع أن هذا التردد الفكري من اللغو الذي لا سبيل له إلى ساحة مثل إبراهيم (عليه السلام) ، مع أن الجواب المنقول في الآية لم يأت في ذلك بشيء فإن إبراهيم (عليه السلام) قال: كيف تحيي الموتى؟ فأطلق الموتى وهو يريد موتى الإنسان أو الأعم منه ومن غيره والله سبحانه ما أراه إلا تكون الحياة في أربعة من الطير.

ثم ذكر فضل إبراهيم (عليه السلام) على عزير يريد به صاحب القصة في الآية السابقة بما ذكر فأخذ القصة في الآيتين من نوع واحد وهو السؤال عن الكيفية التي فسرها بما فسرها والجواب عنها ، فاختلط عليه معنى الآيتين جميعا ، مع أن الآيتين جميعا - على ما فيهما من غرر البيان ودقائق المعاني - أجنبيتان عن الكيفية بالمعنى الذي ذكره كل ذلك واضح بالرجوع إلى ما مر فيهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت