فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 4314

و الكبر كبر السن وهو الشيخوخة ، والذرية الأولاد ، والضعفاء جمع الضعيف ، وقد جمع تعالى في المثل بين إصابة الكبر ووجود الذرية الضعفاء لتثبيت مسيس الحاجة القطعية إلى الجنة المذكورة مع فقدان باقي الأسباب التي يتوصل إليها في حفظ سعادة الحياة وتأمين المعيشة ، فإن صاحب الجنة لو فرض شابا قويا لأمكنه أن يستريح إلى قوة يمينه لو أصيبت جنته بمصيبة ، ولو فرض شيخا هرما من غير ذرية ضعفاء لم يسوء حاله تلك المساءة لأنه لا يرى لنفسه إلا أياما قلائل لا يبطىء عليه زوالها وانقضاؤها ، ولو فرض ذا كبر وله أولاد أقوياء يقدرون على العمل واكتساب المعيشة أمكنهم أن يقتاتوا بما يكتسبونه ، وأن يستغنوا عنها بوجه! لكن إذا اجتمع هناك الكبر والذرية الضعفاء ، واحترقت الجنة انقطعت الأسباب عنهم عند ذلك ، فلا صاحب الجنة يمكنه أن يعيد لنفسه الشباب والقوة أو الأيام الخالية حتى يهيىء لنفسه نظير ما كان قد هيأها ، ولا لذريته قوة على ذلك ، ولا لهم رجاء أن ترجع الجنة بعد الاحتراق إلى ما كانت عليه من النضارة والأثمار.

والإعصار الغبار الذي يلتف على نفسه بين السماء والأرض كما يلتف الثوب على نفسه عند العصر.

وهذا مثل ضربه الله للذين ينفقون أموالهم ثم يتبعونه منا وأذى فيحبط عملهم ولا سبيل لهم إلى إعادة العمل الباطل إلى حال صحته واستقامته ، وانطباق المثل على الممثل ظاهر ، ورجا منهم التفكر لأن أمثال هذه الأفاعيل المفسدة للأعمال إنما تصدر من الناس ومعهم حالات نفسانية كحب المال والجاه والكبر والعجب والشح ، لا تدع للإنسان مجال التثبت والتفكر وتميز النافع من الضار ، ولو تفكروا لتبصروا.

قوله تعالى: يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم إلخ ، التيمم هو القصد والتعمد ، والخبيث ضد الطيب ، وقوله: منه ، متعلق بالخبيث ، وقوله: تنفقون حال من فاعل لا تيمموا ، وقوله: ولستم بآخذيه حال من فاعل تنفقون ، وعامله الفعل ، وقوله أن تغمضوا فيه في تأويل المصدر ، واللام مقدر على ما قيل والتقدير إلا لإغماضكم فيه ، أو المقدر باء المصاحبة والتقدير إلا بمصاحبة الإغماض.

ومعنى الآية ظاهر ، وإنما بين تعالى كيفية مال الإنفاق ، وأنه ينبغي أن يكون من طيب المال لا من خبيثه الذي لا يأخذه المنفق إلا بإغماض ، فإنه لا يتصف بوصف الجود والسخاء ، بل يتصور بصورة التخلص ، فلا يفيد حبا للصنيعة والمعروف ولا كمالا للنفس ، ولذلك ختمها بقوله: واعلموا أن الله غني حميد أي راقبوا في إنفاقكم غناه وحمده فهو في عين غناه يحمد إنفاقكم الحسن فأنفقوا من طيب المال ، أو أنه غني محمود لا ينبغي أن تواجهوه بما لا يليق بجلاله جل جلاله.

قوله تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء إقامة للحجة على أن اختيار خبيث المال للإنفاق ليس بخير للمنفقين بخلاف اختيار طيبه فإنه خير لهم ، ففي النهي مصلحة أمرهم كما أن في المنهي عنه مفسدة لهم ، وليس إمساكهم عن إنفاق طيب المال وبذله إلا لما يرونه مؤثرا في قوام المال والثروة فتنقبض نفوسهم عن الإقدام إلى بذله بخلاف خبيثه فإنه لا قيمة له يعنى بها فلا بأس بإنفاقه ، وهذا من تسويل الشيطان يخوف أولياءه من الفقر ، مع أن البذل وذهاب المال والإنفاق في سبيل الله وابتغاء مرضاته مثل البذل في المعاملات لا يخلو عن العوض والربح كما مر ، مع أن الذي يغني ويقني هو الله سبحانه دون المال ، قال تعالى:"و أنه هو أغنى وأقنى:"النجم - 48.

وبالجملة لما كان إمساكهم عن بذل طيب المال خوفا من الفقر خطأ نبه عليه بقوله: الشيطان يعدكم الفقر ، غير أنه وضع السبب موضع المسبب ، أعني أنه وضع وعد الشيطان موضع خوف أنفسهم ليدل على أنه خوف مضر لهم فإن الشيطان لا يأمر إلا بالباطل والضلال إما ابتداء ومن غير واسطة ، وإما بالآخرة وبواسطة ما يظهر منه أنه حق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت