و لما كان من الممكن أن يتوهم أن هذا الخوف حق وإن كان من ناحية الشيطان دفع ذلك باتباع قوله: الشيطان يعدكم الفقر بقوله: ويأمركم بالفحشاء أولا ، فإن هذا الإمساك والتثاقل منهم يهيىء في نفوسهم ملكة الإمساك وسجية البخل ، فيؤدي إلى رد أوامر الله المتعلقة بأموالهم وهو الكفر بالله العظيم ، ويؤدي إلى إلقاء أرباب الحاجة في تهلكة الإعسار والفقر والمسكنة التي فيه تلف النفوس وانهتاك الأعراض وكل جناية وفحشاء ، قال تعالى:"و منهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون إلى أن قال: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم:"التوبة - 79.
ثم بإتباعه بقوله: والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ثانيا ، فإن الله قد بين للمؤمنين: أن هناك حقا وضلالا لا ثالث لهما ، وأن الحق وهو الطريق المستقيم هو من الله سبحانه ، وأن الضلال من الشيطان ، قال تعالى:"فما ذا بعد الحق إلا الضلال": يونس - 32 ، وقال تعالى:"قل الله يهدي للحق:"يونس - 35 ، وقال تعالى في الشيطان:"إنه عدو مضل مبين:"القصص - 15 ، والآيات جميعا مكية ، وبالجملة نبه تعالى بقوله: والله يعدكم ، بأن هذا الخاطر الذي يخطر ببالكم من جهة الخوف ضلال من الفكر فإن مغفرة الله والزيادة التي ذكرها في الآيات السابقة إنما هما في البذل من طيبات المال.
فقوله تعالى: والله يعدكم"إلخ"، نظير قوله: الشيطان يعدكم"إلخ"، من قبيل وضع السبب موضع المسبب ، وفيه إلقاء المقابلة بين وعد الله سبحانه الواسع العليم ووعد الشيطان ، لينظر المنفقون في أمر الوعدين ويختاروا ما هو أصلح لبالهم منهما.
فحاصل حجة الآية: أن اختياركم الخبيث على الطيب إنما هو لخوف الفقر ، والجهل بما يستتبعه هذا الإنفاق ، أما خوف الفقر فهو إلقاء ، شيطاني ، ولا يريد الشيطان بكم إلا الضلال والفحشاء فلا يجوز أن تتبعوه ، وأما ما يستتبعه هذا الإنفاق فهو الزيادة والمغفرة اللتان ذكرتا لكم في الآيات السابقة ، وهو استتباع بالحق لأن الذي يعدكم استتباع الإنفاق لهذه المغفرة والزيادة هو الله سبحانه ووعده حق ، وهو واسع يسعه أن يعطي ما وعده من المغفرة والزيادة وعليم لا يجهل شيئا ولا حالا من شيء فوعده وعد عن علم.
قوله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء ، الإيتاء هو الإعطاء ، والحكمة بكسر الحاء على فعلة بناء نوع يدل على نوع المعنى فمعناه النوع من الإحكام والإتقان أو نوع من الأمر المحكم المتقن الذي لا يوجد فيه ثلمة ولا فتور ، وغلب استعماله في المعلومات العقلية الحقة الصادقة التي لا تقبل البطلان والكذب البتة.
والجملة تدل على أن البيان الذي بين الله به حال الإنفاق بجمع علله وأسبابه وما يستتبعه من الأثر الصالح في حقيقة حياة الإنسان هو من الحكمة ، فالحكمة هي القضايا الحقة المطابقة للواقع من حيث اشتمالها بنحو على سعادة الإنسان كالمعارف الحقة الإلهية في المبدإ والمعاد ، والمعارف التي تشرح حقائق العالم الطبيعي من جهة مساسها بسعادة الإنسان كالحقائق الفطرية التي هي أساس التشريعات الدينية.
قوله تعالى: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، المعنى ظاهر ، وقد أبهم فاعل الإيتاء مع أن الجملة السابقة عليه تدل على أنه الله تبارك وتعالى ليدل الكلام على أن الحكمة بنفسها منشأ الخير الكثير فالتلبس بها يتضمن الخير الكثير ، لا من جهة انتساب إتيانه إليه تعالى ، فإن مجرد انتساب الإتيان لا يوجب ذلك كإيتاء المال ، قال تعالى في قارون"و آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إلى آخر الآيات:"القصص - 76 ، وإنما نسب إليها الخير الكثير دون الخير مطلقا ، مع ما عليه الحكمة من ارتفاع الشأن ونفاسة الأمر لأن الأمر مختوم بعناية الله وتوفيقه ، وأمر السعادة مراعى بالعاقبة والخاتمة.