فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 4314

و هذا حال المرابي في أخذه الربا إعطاء الشيء وأخذ ما يماثله وزيادة بالأجل فإن الذي تدعو إليه الفطرة ويقوم عليه أساس حياة الإنسان الاجتماعية أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه مما عند غيره من المال الذي يحتاج إليه ، وأما إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه مع زيادة فهذا شيء ينهدم به قضاء الفطرة وأساس المعيشة ، فإن ذلك ينجر من جانب المرابي إلى اختلاس المال من يد المدين وتجمعه وتراكمه عند المرابي ، فإن هذا المال لا يزال ينمو ويزيد ، ولا ينمو إلا من مال الغير ، فهو بالانتفاص والانفصال من جانب ، والزيادة والانضمام إلى جانب آخر.

وينجر من جانب المدين المؤدي للربا إلى تزايد المصرف بمرور الزمان تزايدا لا يتداركه شيء مع تزايد الحاجة وكلما زاد المصرف أي نمى الربا بالتصاعد زادت الحاجة من غير أمر يجبر النقص ويتداركه ، وفي ذلك انهدام حياة المدين.

فالربا يضاد التوازن والتعادل الاجتماعي ويفسد الانتظام الحاكم على هذا الصراط المستقيم الإنساني الذي هدته إليه الفطرة الإلهية.

وهذا هو الخبط الذي يبتلي به المرابي كخبط الممسوس ، فإن المراباة يضطره أن يختل عنده أصل المعاملة والمعاوضة فلا يفرق بين البيع والربا ، فإذا دعي إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع أجاب إن البيع مثل الربا لا يزيد على الربا بمزية ، فلا موجب لترك الربا وأخذ البيع ، ولذلك استدل تعالى على خبط المرابين بما حكاه من قولهم: إنما البيع مثل الربا.

ومن هذا البيان يظهر: أولا: أن المراد بالقيام في قوله تعالى: لا يقومون إلا كما يقوم ، هو الاستواء على الحياة والقيام بأمر المعيشة فإنه معنى من معاني القيام يعرفه أهل اللسان في استعمالاتهم ، قال تعالى:"ليقوم الناس بالقسط:"الحديد - 25 ، وقال تعالى:"أن تقوم السماء والأرض بأمره:"الروم - 25 ، وقال تعالى:"و أن تقوموا لليتامى بالقسط:"النساء - 127 ، وأما كون المراد به المعنى المقابل للقعود فمما لا يناسب المورد ، ولا يستقيم عليه معنى الآية.

وثانيا: أن المراد بخبط الممسوس في قيامه ليس هو الحركات التي يظهر من الممسوس حال الصرع أو عقيب هذا الحال على ما يظهر من كلام المفسرين ، فإن ذلك لا يلائم الغرض المسوق لبيانه الكلام ، وهو ما يعتقده المرابي من عدم الفرق بين البيع والربا ، وبناء عمله عليه ، ومحصله أفعال اختيارية صادرة عن اعتقاد خابط ، وكم من فرق بينهما وبين الحركات الصادرة عن المصروع حال الصرع ، فالمصير إلى ما ذكرناه من كون المراد قيام الربوي في حياته بأمر المعاش كقيام الممسوس الخابط في أمر الحياة!.

وثالثا: النكتة في قياس البيع بالربا دون العكس في قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ، ولم يقل: إنما الربا مثل البيع كما هو السابق إلى الذهن وسيجيء توضيحه.

ورابعا: أن التشبيه أعني قوله: الذي يتخبطه الشيطان من المس لا يخلو عن إشعار بجواز تحقق ذلك في مورد الجنون في الجملة ، فإن الآية وإن لم تدل على أن كل جنون هو من مس الشيطان لكنها لا تخلو عن إشعار بأن من الجنون ما هو بمس الشيطان ، وكذلك الآية وإن لم تدل على أن هذا المس من فعل إبليس نفسه فإن الشيطان بمعنى الشرير ، يطلق على إبليس وعلى شرار الجن وشرار الإنس ، وإبليس من الجن ، فالمتيقن من إشعار الآية أن للجن شأنا في بعض الممسوسين إن لم يكن في كلهم.

وما ذكره بعض المفسرين أن هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامة الناس في بعض اعتقاداتهم الفاسدة حيث كان اعتقادهم بتصرف الجن في المجانين ، ولا ضير في ذلك لأنه مجرد تشبيه خال عن الحكم حتى يكون خطأ غير مطابق للواقع ، فحقيقة معنى الآية ، أن هؤلاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وأما كون الجنون مستندا إلى مس الشيطان فأمر غير ممكن لأن الله سبحانه أعدل من أن يسلط الشيطان على عقل عبده أو على عبده المؤمن.

ففيه: أنه تعالى أجل من أن يستند في كلامه إلى الباطل ولغو القول بأي نحو كان من الاستناد إلا مع بيان بطلانه ورده على قائله ، وقد قال تعالى: في وصف كلامه"كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:"فصلت - 42 ، وقال تعالى:"إنه لقول فصل وما هو بالهزل:"الطارق - 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت