فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 4314

و أما إن استناد الجنون إلى تصرف الشيطان بإذهاب العقل ينافي عدله تعالى ، ففيه أن الإشكال بعينه مقلوب عليهم في إسنادهم ذهاب العقل إلى الأسباب الطبيعية ، فإنها أيضا مستندة بالأخرة إلى الله تعالى مع إذهابها العقل.

على أنه في الحقيقة ليس في ذهاب العقل بإذهاب الله إياه إشكال.

لأن التكليف يرتفع حينئذ بارتفاع الموضوع ، وإنما الإشكال في أن ينحرف الإدراك العقلي عن مجرى الحق وسنن الاستقامة مع بقاء موضوع العقل على حاله ، كان يشاهد الإنسان العاقل الحسن قبيحا وبالعكس ، أو يرى الحق باطلا وبالعكس جزافا بتصرف من الشيطان ، فهذا هو الذي لا يجوز نسبته إليه تعالى ، وأما ذهاب القوة المميزة وفساد حكمها تبعا لذهاب نفسها فلا محذور فيه سواء أسند إلى الطبيعة أو إلى الشيطان.

على أن استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو الاستقامة ومن غير واسطة بل الأسباب الطبيعية كاختلال الأعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة وراءها الشيطان ، كما أن أنواع الكرامات تستند إلى الملك مع تخلل الأسباب الطبيعية في البين ، وقد ورد نظير ذلك فيما حكاه الله عن أيوب (عليه السلام) إذ قال:"إني مسني الشيطان بنصب وعذاب:"ص - 41 ، وإذ قال:"إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين:"الأنبياء - 83 ، والضر هو المرض وله أسباب طبيعية ظاهرة في البدن ، فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان.

وهذا وما يشبهه ، من الآراء المادية التي دبت في أذهان عدة من أهل البحث من حيث لم يشعروا بها حيث إن أصحاب المادة لما سمعوا الإلهيين يسندون الحوادث إلى الله سبحانه ، أو يسندون بعضها إلى الروح أو الملك أو الشيطان اشتبه عليهم الأمر فحسبوا أن ذلك إبطال للعلل الطبيعية وإقامة لما وراء الطبيعة مقامها ، ولم يفقهوا أن المراد به تعليل في طول تعليل لا في عرض تعليل ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك في المباحث السابقة مرارا.

وخامسا: فساد ما ذكره بعض آخر من المفسرين: أن المراد بالتشبيه بيان حال آكلي الربا يوم القيامة وأنهم سيقومون عن قبورهم يوم القيامة كالصريع الذي يتخبطه الجنون.

ووجه الفساد أن ظاهر الآية على ما بينا لا يساعد هذا المعنى ، والرواية لا تجعل للآية ظهورا فيما ليست بظاهرة فيه ، وإنما تبين حال آكل الربا يوم القيامة.

قال في تفسير المنار: ، وأما قيام آكل الربا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فقد قال ابن عطية في تفسيره ،: المراد تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يصرع بحركات مختلفة: قد جن.

أقول: وهذا هو المتبادر ولكن ذهب الجمهور إلى خلافه وقالوا: إن المراد بالقيام القيام من القبر عند البعث ، وإن الله تعالى جعل من علامة المرابين يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين ، ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود بل روى الطبراني من حديث عوف بن مالك مرفوعا: إياك والذنوب التي لا تغفر: الغلول فمن غل شيئا أتي به يوم القيامة ، والربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط.

ثم قال: والمتبادر إلى جميع الأفهام ما قاله ابن عطية لأنه إذا ذكر القيام انصرف إلى النهوض المعهود في الأعمال ، ولا قرينة تدل على أن المراد به البعث ، وهذه الروايات لا يسلم منها شيء من قول في سنده ، وهي لم تنزل مع القرآن ، ولا جاء المرفوع منها مفسرا للآية ، ولولاها لما قال أحد بغير المتبادر الذي قال به ابن عطية إلا من لم يظهر له صحته في الواقع.

ثم قال: وكان الوضاعون الذين يختلقون الروايات يتحرون في بعضها ما أشكل عليهم ظاهره من القرآن فيضعون لهم رواية يفسرونه بها ، وقلما يصح في التفسير شيء ، انتهى ما ذكره.

ولقد أصاب فيما ذكره من خطإهم لكنه أخطأ في تقرير معنى التشبيه الواقع في الآية حيث قال: أما ما قاله ابن عطية فهو ظاهر في نفسه فإن أولئك الذين فتنهم المال واستعبدهم حتى ضربت نفوسهم بجمعه ، وجعلوه مقصودا لذاته ، وتركوا لأجل الكسب به جميع موارد الكسب الطبيعي تخرج نفوسهم عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس ، ويظهر ذلك في حركاتهم وتقلبهم في أعمالهم كما تراه في حركات المولعين بأعمال البورصة والمغرمين بالقمار ، يزيد فيهم النشاط والانهماك في أعمالهم ، حتى يكون خفة تعقبها حركات غير منتظمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت