فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 4314

و أضعف منه ما ذكره آخرون: أن معنى قوله: وأحل الله"إلخ"إنه ليست الزيادة في وجه البيع نظير الزيادة في وجه الربا ، لأني أحللت البيع وحرمت الربا ، والأمر أمري ، والخلق خلقي ، أقضي فيهم بما أشاء ، وأستعبدهم بما أريد ، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي.

وفيه: أنه أيضا مبني على أخذ الجملة حالية لا مستأنفة ، على أنه مبني على إنكار ارتباط الأحكام بالمصالح والمفاسد ارتباط السببية والمسببية ، وبعبارة أخرى على نفي العلية والمعلولية بين الأشياء وإسناد الجميع إلى الله سبحانه من غير واسطة ، والضرورة تبطله ، على أنه خلاف ما هو دأب القرآن من تعليل أحكامه وشرائعه بمصالح خاصة أو عامة ، على أن قوله في ضمن هذه الآيات: وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين الآية ، وقوله: لا تظلمون الآية ، وقوله: الذين يأكلون الربوا إلى قوله مثل الربوا ، تدل على نوع تعليل لإحلال البيع بكونه جاريا على سنة الفطرة والخلقة ولتحريم الربا بكونه خارجا عن سنن الاستقامة في الحياة ، وكونه منافيا غير ملائم للإيمان بالله تعالى ، وكونه ظلما.

قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ، تفريع على قوله: وأحل الله البيع"إلخ"، والكلام غير مقيد بالربا ، فهو حكم كلي وضع في مورد جزئي للدلالة على كونه مصداقا من مصاديقه يلحقه حكمه ، والمعنى: أن ما ذكرناه لكم في أمر الربا موعظة جاءتكم من ربكم ومن جاءه موعظة"إلخ"فإن انتهيتم فلكم ما سلف وأمركم إلى الله.

ومن هنا يظهر: أن المراد من مجيء الموعظة بلوغ الحكم الذي شرعه الله تعالى ، ومن الانتهاء التوبة وترك الفعل المنهي عنه انتهاء عن نهيه تعالى ، ومن كون ما سلف لهم عدم انعطاف الحكم وشموله لما قبل زمان بلوغه ، ومن قوله: فله ما سلف وأمره إلى الله ، إنه لا يتحتم عليهم العذاب الخالد الذي يدل عليه قوله: ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، فهم منتفعون فيما أسلفوا بالتخلص من هذه المهلكة ، ويبقى عليهم: أن أمرهم إلى الله فربما أطلقهم في بعض الأحكام ، وربما وضع عليهم ما يتدارك به ما فوتوه.

واعلم: أن أمر الآية عجيب ، فإن قوله: فمن جاءه موعظة إلى آخر الآية مع ما يشتمل عليه من التسهيل والتشديد حكم غير خاص بالربا ، بل عام يشمل جميع الكبائر الموبقة ، والقوم قد قصروا في البحث عن معناها حيث اقتصروا بالبحث عن مورد الربا خاصة من حيث العفو عما سلف منه ، ورجوع الأمر إلى الله فيمن انتهى ، وخلود العذاب لمن عاد إليه بعد مجيء الموعظة ، هذا كله مع ما تراه من العموم في الآية.

إذا علمت هذا ظهر لك: أن قوله: فله ما سلف وأمره إلى الله لا يفيد إلا معنى مبهما يتعين بتعين المعصية التي جاء فيها الموعظة ويختلف باختلافها ، فالمعنى: أن من انتهى عن موعظة جاءته فالذي تقدم منه من المعصية سواء كان في حقوق الله أو في حقوق الناس فإنه لا يؤاخذ بعينها لكنه لا يوجب تخلصه من تبعاته أيضا كما تخلص من أصله من حيث صدوره ، بل أمره فيه إلى الله ، إن شاء وضع فيها تبعة كقضاء الصلاة الفائتة والصوم المنقوض وموارد الحدود والتعزيرات ورد المال المحفوظ المأخوذ غصبا أو ربا وغير ذلك مع العفو عن أصل الجرائم بالتوبة والانتهاء ، وإن شاء عفا عن الذنب ولم يضع عليه تبعة بعد التوبة كالمشرك إذا تاب عن شركه ومن عصى بنحو شرب الخمر واللهو فيما بينه وبين الله ونحو ذلك ، فإن قوله: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ، مطلق يشمل الكافرين والمؤمنين في أول التشريع وغيرهم من التابعين وأهل الأعصار اللاحقة.

وأما قوله: ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، فوقوع العود في هذه الجملة في مقابل الانتهاء الواقع في الجملة السابقة يدل على أن المراد به العود الذي يجامع عدم الانتهاء ، ويلازم ذلك الإصرار على الذنب وعدم القبول للحكم وهذا هو الكفر أو الردة باطنا ولو لم يتلفظ في لسانه بما يدل على ذلك ، فإن من عاد إلى ذنب ولم ينته عنه ولو بالندم فهو غير مسلم للحكم تحقيقا ولا يفلح أبدا.

فالترديد في الآية بحسب الحقيقة بين تسليم الحكم الذي لا يخلو عن البناء على عدم المخالفة وبين الإصرار الذي لا يخلو غالبا عن عدم التسليم المستوجب للخلود على ما عرفت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت