و من هنا يظهر الجواب عن استدلال المعتزلة بالآية على خلود مرتكب الكبيرة في العذاب.
فإن الآية وإن دلت على خلود مرتكب الكبيرة بل مطلق من اقترف المعصية في العذاب لكن دلالتها مقصورة على الارتكاب مع عدم تسليم الحكم ولا محذور فيه.
وقد ذكر في قوله تعالى: فله ما سلف ، وفي قوله: وأمره إلى الله ، وقوله: ومن عاد"إلخ"وجوه من المعاني والاحتمالات على أساس ما فهمه الجمهور من الآية على ما تقدم لكنا تركنا إيرادها لعدم الجدوى فيها بعد فساد المنشإ.
قوله تعالى: يمحق الله الربوا ويربي الصدقات"إلخ"، المحق نقصان الشيء حالا بعد حال ، ووقوعه في طريق الفناء والزوال تدريجا ، والإرباء الإنماء ، والأثيم الحامل للإثم ، وقد مر معنى الإثم.
وقد قوبل في الآية بين إرباء الصدقات ومحق الربا ، وقد تقدم أن إرباء الصدقات وإنمائها لا يختص بالآخرة بل هي خاصة لها عامة تشمل الدنيا كما تشمل الآخرة فمحق الربا أيضا كذلك لا محالة.
فكما أن من خاصة الصدقات أنها تنمي المال إنماء يلزمها ذلك لزوما قهريا لا ينفك عنها من حيث إنها تنشر الرحمة وتورث المحبة وحسن التفاهم وتألف القلوب وتبسط الأمن والحفظ ، وتصرف القلوب عن أن تهم بالغضب والاختلاس والإفساد والسرقة ، وتدعو إلى الاتحاد والمساعدة والمعاونة ، وتنسد بذلك أغلب طرق الفساد والفناء الطارئة على المال ، ويعين جميع ذلك على نماء المال ودره أضعافا مضاعفة.
كذلك الربا من خاصته أنه يمحق المال ويفنيه تدريجا من حيث إنه ينشر القسوة والخسارة ، ويورث البغض والعداوة وسوء الظن ، ويفسد الأمن والحفظ ، ويهيج النفوس على الانتقام بأي وسيلة أمكنت من قول أو فعل مباشرة أو تسبيبا ، وتدعو إلى التفرق والاختلاف ، وتنفتح بذلك أغلب طرق الفساد وأبواب الزوال على المال وقلما يسلم المال عن آفة تصيبه ، أو بلية تعمه.
وكل ذلك لأن هذين الأمرين أعني الصدقة والربا مربوطان مماسان بحياة طبقة الفقراء والمعوزين وقد هاجت بسبب الحاجة الضرورية إحساساتهم الباطنية ، واستعدت للدفاع عن حقوق الحياة نفوسهم المنكوبة المستذلة ، وهموا بالمقابلة بالغا ما بلغت ، فإن أحسن إليهم بالصنيعة والمعروف بلا عوض - والحال هذه - وقعت إحساساتهم على المقابلة بالإحسان وحسن النية وأثرت الأثر الجميل ، وإن أسيء إليهم بإعمال القسوة والخشونة وإذهاب المال والعرض والنفس قابلوها بالانتقام والنكاية بأي وسيلة ، وقلما يسلم من تبعات هذه الهمم المهلكة أحد من المرابين على ما يذكره كل أحد مما شاهد من أخبار آكلي الربا من ذهاب أموالهم وخراب بيوتهم وخسران مساعيهم.
ويجب عليك: أن تعلم أولا: أن العلل والأسباب التي تبنى عليها الأمور والحوادث الاجتماعية أمور أغلبية الوجود والتأثير ، فإنا إنما نريد بأفعالنا غاياتها ونتائجها التي يغلب تحققها ، ونوجد عند إرادتها أسبابها التي لا تنفك عنها مسبباتها على الأغلب لا على الدوام ، ونلحق الشاذ النادر بالمعدوم ، وأما العلل التامة التي يستحيل انفكاك معلولاتها عنها في الوجود فهي مختصة بالتكوين يتناولها العلوم الحقيقية الباحثة عن الحقائق الخارجية.
والتدبر في آيات الأحكام التي ذكر فيها مصالح الأفعال والأعمال ومفاسدها مما يؤدي إلى السعادة والشقاوة يعطي أن القرآن في بناء آثار الأعمال على الأعمال وبناء الأعمال على عللها يسلك هذا المسلك ويضع الغالب موضع الدائم كما عليه بناء العقلاء.
وثانيا: أن المجتمع كالفرد والأمر الاجتماعي كالأمر الانفرادي متماثلان في الأحوال على ما يناسب كلا منهما بحسب الوجود ، فكما أن للفرد حياة وعمرا وموتا مؤجلا وأفعالا وآثارا فكذلك المجتمع في حياته وموته وعمره وأفعاله وآثاره.
وبذلك ينطق القرآن كقوله تعالى:"و ما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون:"الحجر - 5.
وعلى هذا فلو تبدل وصف أمر من الأمور من الفردية إلى الاجتماعية تبدل نحو بقائه وزواله وأثره.