فالعفة والخلاعة الفردية حالكونهما فرديين لهما نوع من التأثير في الحياة فإن ركوب الفحشاء مثلا يوجب نفرة الناس عن الإنسان والاجتناب عن ازدواجه وعن مجالسته وزوال الوثوق بأمانته هذا إذا كان أمرا فرديا والمجتمع على خلافه ، وأما إذا صار اجتماعيا معروفا عند العامة ذهبت بذلك تلك المحاذير لأنها كانت تبعات الإنكار العمومي والاستهجان العام للفعل وقد أذهبه التداول والشياع لكن المفاسد الطبيعية كانقطاع النسل والأمراض التناسلية والمفاسد الآخر الاجتماعية التي لا ترضى به الفطرة كبطلان الأنساب واختلالها وفساد الانشعابات القومية والفوائد الاجتماعية المترتبة على ذلك مترتبة عليه لا محالة.
وكذا يختلف ظهور الآثار في الفرد فيما كان فرديا مع ظهورها في المجتمع إذا كان اجتماعيا من حيث السرعة والبطء.
إذا عرفت ذلك علمت: أن محقه تعالى للربا في مقابل إربائه للصدقات يختلف لا محالة بين ما كان الفعل فعلا انفراديا كالربا القائم بالشخص فإنه يهلك صاحبه غالبا ، وقل ما يسلم منه مراب لوجود أسباب وعوامل خاصة تدفع عن ساحة حياته الفناء والمذلة ، وبين ما كان فعلا اجتماعيا كالربا الدائر اليوم الذي يعرفه الملل والدول بالرسمية ، ووضعت عليها القوانين ، وأسست عليها البنوج فإنه يفقد بعض صفاته الفردية لرضى الجامعة بما شاع فيها وتعارف بينها وانصراف النفوس عن التفكر في معائبه لكن آثاره اللازمة كتجمع الثروة العمومية وتراكمها في جانب ، وحلول الفقر والحرمان العمومي في جانب آخر ، وظهور الانفصال والبينونة التامة بين القبيلين: الموسرين والمعسرين مما لا ينفك عن هذا الربا وسوف يؤثر أثره السيىء المشئوم ، وهذا النوع من الظهور والبروز وإن كنا نستبطئه بالنظر الفردي ، وربما لم نعتن به لإلحاقه من جهة طول الأمد بالعدم ، لكنه معجل بالنظر الاجتماعي ، فإن العمر الاجتماعي غير العمر الفردي ، واليوم الاجتماعي ربما عادل دهرا في نظر الفرد.
قال تعالى:"و تلك الأيام نداولها بين الناس:"آل عمران - 140 ، وهذا اليوم يراد به العصر الذي ظهر فيه ناس ، على ناس وطائفة ، على طائفة وحكومة على حكومة ، وأمة ، على أمة ، وظاهر أن سعادة الإنسان كما يجب أن يعتنى بشأنها من حيث الفرد يجب الاعتناء بأمرها من حيث النوع المجتمع.
والقرآن ليس يتكلم عن الفرد ولا في الفرد وإن لم يسكت عنه ، بل هو كتاب أنزله الله تعالى قيما على سعادة الإنسان: نوعه وفرده ، ومهيمنا على سعادة الدنيا: حاضرها وغابرها.
فقوله تعالى يمحق الله الربا ويربي الصدقات يبين حال الربا والصدقة في أثرهما سواء كانا نوعيين أو فرديين ، والمحق من لوازم الربا لا ينفك عنه كما أن الإرباء من لوازم الصدقة لا ينفك عنها ، فالربا ممحوق وإن سمي ربا والصدقة ربا رابية وإن لم تسم ربا ، وإلى ذلك يشير تعالى: يمحق الله الربا ويربي الصدقات بإعطاء وصف الربا للصدقات بأقسامها ، وتوصيف الربا بوصف يضاد اسمه بحسب المعنى وهو الانمحاق.
وبما مر من البيان يظهر ضعف ما ذكره بعضهم: أن محق الربا ليس بمعنى إبطال السعي وخسران العمل بذهاب المال الربوي ، فإن المشاهدة والعيان يكذبه ، وإنما المراد بالمحق إبطال السعي من حيث الغايات المقصودة بهذا النوع من المعاملة ، فإن المرابي يقصد بجمع المال من هذا السبيل لذة اليسر وطيب الحياة وهناء العيش ، لكن يشغله عن ذلك الوله بجمع المال ووضع درهم على درهم ، ومبارزة من يريد به أو بماله أو بأرباحه سوءا ، والهموم المتهاجمة على نفسه من عداوة الناس وبغض المعوزين له ، ووجه ضعفه ظاهر.
وكذا ما ذكره آخرون: أن المراد به محق الآخرة وثواب الأعمال التي يعرض عنها المرابي باشتغاله بالربا ، أو التي يبطلها التصرف في مال الربا كأنواع العبادات ، وجه الضعف: أنه لا شك أن ما ذكروه من المحق لكنه لا دليل على انحصاره في ذلك.
وكذا ضعف ما استدل به المعتزلة على خلود مرتكب الكبيرة في النار بقوله تعالى: ومن عاد"إلخ"، وقد مر ما يظهر به تقرير الاستدلال والدفع جميعا.