فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 4314

قوله تعالى: والله لا يحب كل كفار أثيم ، تعليل لمحق الربا بوجه كلي ، والمعنى أن آكل الربا كثير الكفر لكفره بنعم كثيرة من نعم الله لستره على الطرق الفطرية في الحياة الإنسانية ، وهي طرق المعاملات الفطرية ، وكفره بأحكام كثيرة في العبادات والمعاملات المشروعة ، فإنه بصرف مال الربا في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه يبطل كثيرا من عباداته بفقدان شرائط مأخوذة فيها ، وباستعماله فيما بيده من المال الربوي يبطل كثيرا من معاملاته ، ويضمن غيره ، ويغصب مال غيره في موارد كثيرة ، وباستعمال الطمع والحرص في أموال الناس والخشونة والقسوة في استيفاء ما يعده لنفسه حقا يفسد كثيرا من أصول الأخلاق والفضائل وفروعها ، وهو أثيم مستقر في نفسه الإثم فالله سبحانه لا يحبه لأن الله لا يحب كل كفار أثيم.

قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات"إلخ"، تعليل يبين به ثواب المتصدقين والمنتهين عما نهى الله عنه من أكل الربا بوجه عام ينطبق على المورد انطباقا.

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين خطاب للمؤمنين وأمر لهم بتقوى الله وهو توطئة لما يتعقبه من الأمر بقوله وذروا ما بقي من الربا ، وهو يدل على أنه كان من المؤمنين في عهد نزول الآيات من يأخذ الربا ، وله بقايا منه في ذمة الناس من الربا فأمر بتركها ، وهدد في ذلك بما سيأتي من قوله: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله الآية.

وهذا يؤيد ما سننقله من الرواية في سبب نزول الآية في البحث الروائي الآتي.

وفي تقييد الكلام بقوله: إن كنتم مؤمنين إشارة إلى أن تركه من لوازم الإيمان ، وتأكيد لما تقدم من قوله: ومن عاد"إلخ"، وقوله: والله لا يحب كل كفار"إلخ".

قوله تعالى: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، الإذن كالعلم وزنا ومعنى ، وقرىء فآذنوا بالأمر من الإيذان ، والباء في قوله بحرب لتضمينه معنى اليقين ونحوه ، والمعنى: أيقنوا بحرب أو أعلموا أنفسكم باليقين بحرب من الله ورسوله ، وتنكير الحرب لإفادة التعظيم أو التنويع ، ونسبة الحرب إلى الله ورسوله لكونه مرتبطا بالحكم الذي لله سبحانه فيه سهم بالجعل والتشريع ولرسوله فيه سهم بالتبليغ ، ولو كان لله وحده لكان أمرا تكوينيا ، وأما رسوله فلا يستقل في أمر دون الله سبحانه قال تعالى:"ليس لك من الأمر شيء": آل عمران - 128.

والحرب من الله ورسوله في حكم من الأحكام مع من لا يسلمه هو تحميل الحكم على من رده من المسلمين بالقتال كما يدل عليه قوله تعالى:"فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله:"الحجرات - 9 ، على أن لله تعالى صنعا آخر في الدفاع عن حكمه وهو محاربته إياهم من طريق الفطرة وهو تهييج الفطرة العامة على خلافهم ، وهي التي تقطع أنفاسهم ، وتخرب ديارهم ، وتعفي آثارهم ، قال تعالى:"و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا:"الإسراء - 16.

قوله تعالى: وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، كلمة وإن تبتم ، تؤيد ما مر أن الخطاب في الآية لبعض المؤمنين ممن كان يأخذ الربا وله بقايا على مدينيه ومعامليه ، وقوله: فلكم رءوس أموالكم أي أصول أموالكم الخالصة من الربا لا تظلمون بأخذ الربا ولا تظلمون بالتعدي إلى رءوس أموالكم ، وفي الآية دلالة على إمضاء أصل الملك أولا: وعلى كون أخذ الربا ظلما كما تقدم ثانيا: وعلى إمضاء أصناف المعاملات حيث عبر بقوله رءوس أموالكم والمال إنما يكون رأسا إذا صرف في وجوه المعاملات وأصناف الكسب ثالثا.

قوله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ، لفظة كان تامة أي إذا وجد ذو عسرة ، والنظرة المهلة ، والميسرة اليسار ، والتمكن مقابل العسرة أي إذا وجد غريم من غرمائكم لا يتمكن من أداء دينه الحال فانظروه وأمهلوه حتى يكون متمكنا ذا يسار فيؤدي دينه.

والآية وإن كانت مطلقة غير مقيدة لكنها منطبقة على مورد الربا ، فإنهم كانوا إذا حل أجل الدين يطالبونه من المدين فيقول المدين لغريمه زد في أجلي كذا مدة أزيدك في الثمن بنسبة كذا ، والآية تنهى عن هذه الزيادة الربوية ويأمر بالإنظار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت