فهرس الكتاب

الصفحة 513 من 4314

و هذا تمام الحق الذي جعله الله سبحانه لنفسه على عبده: أن يسمع ليطيع ، وهو العبادة كما قال تعالى:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون:"الذاريات - 57 ، وقال تعالى:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني:"يس - 61.

وقد جعل سبحانه في قبال هذا الحق الذي جعله لنفسه على عبده حقا آخر لعبده على نفسه وهو المغفرة التي لا يستغني عنه في سعادة نفسه أحد: الأنبياء والرسل فمن دونهم فوعدهم أن يغفر لهم إن أطاعوه بالعبودية كما ذكره أول ما شرع الشريعة لآدم وولده فقال:"قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون:"البقرة - 38 ، وليس إلا المغفرة.

والقوم لما قالوا: سمعنا وأطعنا وهو الإجابة بالسمع والطاعة المطلقين من غير تقييد فأوفوا الربوبية حقها سألوه تعالى حقهم الذي جعله لهم وهو المغفرة فقالوا عقيب قولهم سمعنا وأطعنا: غفرانك ربنا وإليك المصير ، والمغفرة والغفران: الستر ، ويرجع مغفرته تعالى إلى دفع العذاب وهو ستر على نواقص مرحلة العبودية ، ويظهر عند مصير العبد إلى ربه ، ولذلك عقبوا قولهم: غفرانك ربنا بقولهم: وإليك المصير.

قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، الوسع هو الجدة والطاقة ، والأصل في الوسع هو السعة المكانية ثم يتخيل لقدرة الإنسان شبه الظرفية لما يصدر عنه من الأفعال الاختيارية ، فما يقدر عليه الإنسان من الأعمال كأنه تسعه قدرته ، وما لا يقدر عليه لا تسعه فانطبق عليه معنى الطاقة ، ثم سميت الطاقة وسعا فقيل: وسع الإنسان أي طاقته وظرفية قدرته.

وقد عرفت: أن تمام حق الله تعالى على عبده: أن يسمع ويطيع ، ومن البين أن الإنسان إنما يقول:"سمعا"فيما يمكن أن تقبله نفسه بالفهم ، وأما ما لا يقبل الفهم فلا معنى لإجابته بالسمع والقبول.

ومن البين أيضا أن الإنسان إنما يقول:"طاعة"فيما يقبل مطاوعة الجوارح وأدوات العمل ، فإن الإطاعة هي مطاوعة الإنسان وتأثر قواه وأعضائه عن تأثير الأمر المؤثر مثلا ، وأما ما لا يقبل المطاوعة كأن يؤمر الإنسان أن يسمع ببصره ، أو يحل بجسمه أزيد من مكان واحد ، أو يتولد من أبويه مرة ثانية فلا يقبل إطاعة ولا يتعلق بذلك تكليف مولوي ، فأجابه داعي الحق بالسمع والطاعة لا تتحقق إلا في ما هو اختياري للإنسان تتعلق به قدرته ، وهو الذي يكسب به الإنسان لنفسه ما ينفعه أو يضره ، فالكسب نعم الدليل على أن ما كسبه الإنسان إنما وجده وتلبس به من طريق الوسع والطاقة.

فظهر مما ذكرنا أن قوله: لا يكلف الله ، كلام جار على سنة الله الجارية بين عباده: أن لا يكلفهم ما ليس في وسعهم من الإيمان بما هو فوق فهمهم والإطاعة لما هو فوق طاقة قواهم ، وهي أيضا السنة الجارية عند العقلاء وذوي الشعور من خلقه ، وهو كلام ينطبق معناه على ما يتضمنه قوله حكاية عن الرسول والمؤمنين: سمعنا وأطعنا من غير زيادة ولا نقيصة.

والجملة أعني قوله: لا يكلف الله نفسا ، متعلقة المضمون بما تقدمها وما تأخر عنها من الجمل المسرودة في الآيتين.

أما بالنسبة إلى ما تقدمها فإنها تفيد: أن الله لا يكلف عباده بأزيد مما يمكنهم فيه السمع والطاعة وهو ما في وسعهم أن يأتوا به.

وأما بالنسبة إلى ما تأخر عنها فإنها تفيد أن ما سأله النبي والمؤمنون من عدم المؤاخذة على الخطإ والنسيان ، وعدم حمل الإصر عليهم ، وعدم تحميلهم ما لا طاقة لهم به ، كل ذلك وإن كانت أمورا حرجية لكنها ليست من التكليف بما ليس في الوسع ، فإن الذي يمكن أن يحمل عليهم مما لا طاقة لهم به ليس من قبيل التكليف ، بل من قبيل جزاء التمرد والمعصية ، وأما المؤاخذة على الخطإ والنسيان فإنهما وإن كانا بنفسهما غير اختياريين لكنهما اختياريان من طريق مقدماتهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت