فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 4314

فمن الممكن أن يمنع عنهما مانع بالمنع عن مقدماتهما أو بإيجاب التحفظ عنهما ، وخاصة إذا كان ابتلاء الإنسان بهما مستندا إلى سوء الاختيار ، ومثله الكلام في حمل الإصر فإنه إذا استند إلى التشديد على الإنسان جزاء لتمرده عن التكاليف السهلة بتبديلها مما يشق عليه ويحترج منه ، فإن ذلك ليس من التكليف المنفي عنه تعالى غير الجائز عند العقل ، لأنها مما اختاره الإنسان لنفسه بسوء اختياره فلا محذور في توجيهه إليه.

قوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، لما قالوا في مقام إجابة الدعوة سمعنا وأطعنا وهو قول ينبىء عن الإجابة المطلقة من غير تقييد ثم التفتوا إلى ما عليه وجودهم من الضعف والفتور ، والتفتوا أيضا إلى ما آل إليه أمر الذين كانوا من قبلهم وقد كانوا أمما أمثالهم استرحموا ربهم وسألوه أن لا يعاملهم معاملة من كان قبلهم من المؤاخذة والحمل والتحميل لأنهم علموا بما علمهم الله أن لا حول ولا قوة إلا بالله ، وأن لا عاصم من الله إلا رحمته.

والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان معصوما من الخطإ والنسيان لكنه إنما يعتصم بعصمة الله ويصان به تعالى فصح له أن يسأل ربه ما لا يأمنه من نفسه ، ويدخل نفسه لذلك في زمرة المؤمنين.

قوله تعالى: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، الإصر هو الثقل على ما قيل ، وقيل هو حبس الشيء بقهره ، وهو قريب من المعنى الأول فإن في الحبس حمل الشيء على ما يكرهه ويثقل عليه.

والمراد بالذين من قبلنا: هم أهل الكتاب وخاصة اليهود على ما تشير السورة إلى كثير من قصصهم ، وعلى ما يشير إليه قوله تعالى:"و يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم:"الأعراف - 157.

قوله تعالى: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، المراد بما لا طاقة لنا به ليس هو التكليف الابتدائي بما لا يطاق ، إذ قد عرفت أن العقل لا يجوزه أبدا ، وأن كلامه تعالى أعني ما حكاه بقوله: وقالوا سمعنا وأطعنا يدل على خلافه بل المراد به جزاء السيئات الواصلة إليهم من تكليف شاق لا يتحمل عادة ، أو عذاب نازل ، أو رجز مصيب كالمسخ ونحوه.

قوله تعالى: واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ، العفو محو أثر الشيء ، والمغفرة ستره ، والرحمة معروفة ، وأما بحسب المصداق فاعتبار المعاني اللغوية يوجب أن يكون سوق الجمل الثلاث من قبيل التدرج من الفرع إلى الأصل ، وبعبارة أخرى من الأخص فائدة إلى الأعم ، فعليها يكون العفو منه تعالى هو إذهاب أثر الذنب وإمحاؤه كالعقاب المكتوب على المذنب ، والمغفرة هي إذهاب ما في النفس من هيئة الذنب والستر عليه ، والرحمة هي العطية الإلهية التي هي الساترة على الذنب وهيئته.

وعطف هذه الثلاثة أعني قوله: واعف عنا واغفر لنا وارحمنا على قوله: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا على ما للجميع من السياق والنظم يشعر: بأن المراد من العفو والمغفرة والرحمة ما يتعلق بذنوبهم من جهة الخطإ والنسيان ونحوها.

ومنه يظهر أن المراد بهذه المغفرة المسئولة هاهنا غير الغفران المذكور في قوله: غفرانك ربنا فإنه مغفرة مطلقة في مقابلة الإجابة المطلقة على ما تقدم ، وهذه مغفرة خاصة في مقابل الذنب عن نسيان أو خطإ ، فسؤال المغفرة غير مكرر.

وقد كرر لفظ الرب في هذه الأدعية أربع مرات لبعث صفة الرحمة بالإيماء والتلويح إلى صفة العبودية فإن ذكر الربوبية يخطر بالبال صفة العبودية والمذلة.

قوله تعالى: أنت مولينا فانصرنا على القوم الكافرين ، استيناف ودعاء مستقل ، والمولى هو الناصر لكن لا كل ناصر بل الناصر الذي يتولى أمر المنصور فإنه من الولاية بمعنى تولي الأمر ، ولما كان تعالى وليا للمؤمنين فهو مولاهم فيما يحتاجون فيه إلى نصره ، قال تعالى:"و الله ولي المؤمنين:"آل عمران - 68 ، وقال تعالى:"ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم:"محمد - 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت