فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 4314

و لما كانت هذه الآيات الست في أول السورة على طريق براعة الاستهلال مشتملة على إجمال ما تحتويه السورة من التفصيل - وقد مر ذكر غرض السورة - كانت هذه الآية بمنزلة تصدير الكلام بالبيان الكلي الذي يستنتج به الغرض ، كما أن الآيتين الأخيرتين أعني قوله: إن الله لا يخفى عليه"الخ"بمنزلة التعليل بعد البيان ، وعلى هذا فالكلام التي يتم به أمر براعة الاستهلال هما الآيتان المتوسطتان أعني قوله: نزل عليك الكتاب إلى قوله عزيز ذو انتقام. وعلى هذا فيعود المعنى إلى أنه يجب على المؤمنين أن يتذكروا أن الله الذي آمنوا به واحد في ألوهيته قائم على الخلق والتدبير قيام حياة ، لا يغلب في ملكه ولا يكون إلا ما شاء وأذن فيه فإنهم إذا تذكروا ذلك علموا أنه هو المنزل للكتاب الهادي إلى الحق ، والفرقان المميز بين الحق والباطل ، وأنه إنما جرى في ذلك على ما أجري عليه عالم الأسباب ، وظرف الاختيار ، فمن آمن فله أجره ، ومن كفر فإن الله سيجزيه لأنه عزيز ذو انتقام ، وذلك أنه الله الذي لا إله غيره حتى يحكم في هذه الجهات ، ولا يخفى عليه أمرهم ، ولا يخرج عن إرادته ومشيئته فعالهم وكفرهم.

قوله تعالى: نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ، قد مر أن التنزيل يدل على التدريج كما أن الإنزال يدل على الدفعة.

وربما ينقض ذلك بقول:"لو لا نزل عليه القرءان جملة واحدة": الفرقان - 32 ، وبقوله تعالى:"أن ينزل علينا مائدة": المائدة - 112 ، وقوله تعالى:"لو لا نزل عليه ءاية": الأنعام - 37 ، وقوله تعالى:"قل إن الله قادر على أن ينزل ءاية": الأنعام - 37 ، ولذلك ذكر بعض المفسرين: أن الأولى أن يقال: إن معنى نزل عليك الكتاب: أنزله إنزالا بعد إنزال دفعا للنقض.

والجواب: أن المراد بالتدريج في النزول ليس هو تخلل زمان معتد به بين نزول كل جزء من أجزاء الشيء وبين جزئه الآخر بل الأشياء المركبة التي توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الأجزاء وبذلك يصير الشيء أمرا واحدا غير منقسم ، والتعبير عنه من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى:"أنزل من السماء ماء": الرعد - 17 وهو الغيث.

ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد سواء تخلل بينهما زمان معتد به أو لم يتخلل وهو التدريج ، والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى:"و هو الذي ينزل الغيث": الشورى - 28.

ومن هنا يظهر: أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة - فإن المراد بقوله لو لا نزل عليه القرءان جملة واحدة الآية: أن ينزل عليه القرآن آية بعد آية في زمان متصل واحد من غير تخلل زمان معتد به كما كان عليه الأمر في نزول القرآن في الشئون والحوادث والأوقات المختلفة ، وبذلك يظهر الجواب عن بقية الآيات المذكورة.

وأما ما ذكره البعض المزبور فهو على أنه استحسان غير جائز في اللغة البتة ، لا يدفع شيئا من النقض بالآيات المذكورة ، بل هي بحالها وهو ظاهر.

وقد جرى كلامه تعالى أن يعبر عن إفاضة الكتاب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتنزيل والنزول ، والنزول يستلزم مقاما أو مكانا عاليا رفيعا يخرج منه الشيء نوعا من الخروج ويقصد مقاما أو مكانا آخر أسفل فيستقر فيه ، وقد وصف نفسه تعالت ذاته بالعلو ورفعة الدرجات وقد وصف كتابه أنه من عنده ، قال تعالى:"إنه علي حكيم": الشورى - 51 ، وقال تعالى:"و لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم": البقرة - 89 ، فصح بذلك استعمال لفظ النزول في مورد استقرار الوحي في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ذكروا أن الحق هو الخبر من حيث إن بحذائه خارجا ثابتا كما أن الصدق هو الخبر من حيث إنه مطابق للخارج ، وعلى هذا فإطلاق الحق على الأعيان الخارجية والأمور الواقعية كما يطلق على الله سبحانه: أنه حق ، وعلى الحقائق الخارجية أنها حقة إنما هو من جهة أن كلا منها حق من جهة الخبر عنها ، وكيف كان فالمراد بالحق في الآية: الأمر الثابت الذي لا يقبل البطلان.

والظاهر أن الباء في قوله: بالحق للمصاحبة والمعنى: نزل عليك الكتاب تنزيلا يصاحب الحق ولا يفارقه ، فيوجب مصاحبة الحق أن لا يطرأ عليه ولا يخالطه باطل فهو في أمن من جهة ظهور الباطل عليه ، ففي قوله: نزل عليك الكتاب بالحق استعارة بالكناية ، وقد قيل في معنى الباء وجوه أخر لا يخلو عن سقم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت