فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 4314

و هذه الآية في معنى الترقي بالنسبة إلى ما سبقها من الآيتين ، فإن محصل الآيتين: أن الله تعالى يعذب الذين كفروا بآياته لأنه العزيز المنتقم العالم بالسر والعلانية فلا يغلب في أمره بل هو الغالب ومحصل هذه الآية أن الأمر أعظم من ذلك ، ومن يكفر بآياته ويخالف عن أمره أذل وأوضع من أن يكفر باستقلال من نفسه واعتماد على قدرته من غير أن يأذن الله في ذلك فيغلب هو على أمره تعالى ، ويبطل النظام الأحسن الذي نظم الله سبحانه عليه الخلقة فتظهر إرادته على إرادة ربه بل الله سبحانه هو أذن له في ذلك ، بمعنى أنه نظم الأمور نوع نظم يؤدي إلى وجود الاختيار في الإنسان ، وهو الوصف الذي يمكنه به ركوب صراط الإيمان والطاعة أو التزام طريق الكفر والمعصية ، ليتم بذلك أمر الفتنة والامتحان ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وما يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين.

فما من كفر ولا إيمان ولا غيرهما إلا عن تقدير ، وهو نظم الأشياء على نحو يتيسر لكل شيء ما يتوجه إليه من مقاصده التي سوف يستوفيها بعمله بتصويره بصورته الخاصة التي تمهد له السلوك إلى ما يسلك إليه.

فالله سبحانه هو الغالب على أمره القاهر في إرادته المهيمن على خلقه ، يظن الإنسان أنه يفعل ما يشاء ويتصرف فيما يريد ، ويقطع بذلك النظم المتصل الذي نظمه الله في الكون فيسبق التقدير ، وهذا بعينه من القدر.

وهذا هو المراد بقوله: يصوركم في الأرحام كيف يشاء ، أي ينظم أجزاء وجودكم في بدء الأمر على نحو يؤدي إلى ما يشاؤه في ختمه مشية إذن لا مشية حتم.

وإنما خص الكلام بالتقدير الجاري في الإنسان ولم يذكر التقدير العام الجاري في العالم كله لينطبق على المورد ، ولما مر أن في الآيات تعريضا للنصارى في قولهم في المسيح (عليه السلام) والآيات منتهية إلى ما هو الحق من أمره ، فإن النصارى لا ينكرون كينونته (عليه السلام) في الرحم وأنه لم يكون نفسه.

والتعميم بعد التخصيص في الخطاب أعني قوله: يصوركم بعد قوله: نزل عليك ، للدلالة على أن إيمان المؤمنين أيضا ككفر الكافرين غير خارج عن حكم القدر ، فتطيب نفوسهم بالرحمة والموهبة الإلهية في حق أنفسهم ، ويتسلوا بما سمعوه من أمر القدر ومن أمر الانتقام فيما يعظم عليهم من كفر الكافرين.

قوله تعالى: لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، فيه عود إلى ما بدىء به الكلام في الآيات من التوحيد ، وهو بمنزلة تلخيص الدليل للتأكيد.

فإن هذه الأمور المذكورة أعني هداية الخلق بعد إيجادهم ، وإنزال الكتاب والفرقان ، وإتقان التدبير بتعذيب الكافرين أمور لا بد أن تستند إلى إله يدبرها وإذ لا إله إلا الله تعالى شأنه فهو الذي يهدي الناس وهو الذي ينزل الكتاب والفرقان ، وهو يعذب الكافرين بآياته ، وإنما يفعل ما يفعل من الهداية والإنزال والانتقام والتقدير بعزته وحكمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت