و كذا ما فيه شقاء الجسم والروح معا يعده القرآن عذابا كما يعدونه عذابا لكن وجه النظر مختلف ، فإنه عذاب عنده لما فيه من شقاء الروح وعذاب عندهم لما فيه من شقاء الجسم ، وذلك كأنواع العذاب النازلة على الأمم السالفة ، قال تعالى:"أ لم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد": الفجر - 6 14.
والسعادة والشقاوة لذوي الشعور يتقومان بالشعور والإدراك فإنا لا نعد الأمر اللذيذ الذي نلناه ولم نحس به سعادة لأنفسنا كما لا نعد الأمر المؤلم غير المشعور به شقاء ، ومن هنا يظهر أن هذا التعليم القرآني الذي يسلك في السعادة والشقاوة غير مسلك المادة ، والإنسان المولع بالمادة لا بد من أن يستتبع نوع تربية يرى بها الإنسان السعادة الحقيقية التي يشخصها القرآن سعادة والشقاوة الحقيقية شقاوة ، وهو كذلك ، فإنه يلقن على أهله: أن لا يتعلق قلوبهم بغير الله ، ويروا أن ربهم هو المالك الذي يملك كل شيء فلا يستقل شيء إلا به ، ولا يقصد شيء إلا له.
وهذا الإنسان لا يرى لنفسه في الدنيا إلا السعادة بين ما كان فيه سعادة روحه وجسمه ، وما كان فيه سعادة روحه محضا ، وأما ما دون ذلك فإنه يراه عذابا ونكالا ، وأما الإنسان المتعلق بهوى النفس ومادة الدنيا فإنه وإن كان ربما يرى ما اقتناه من زينة الدنيا سعادة لنفسه وخيرا ولذة فإنه سوف يطلع على خبطه في مشيه ، وانقلبت سعادته المظنونة بعينها شقاوة عليه قال تعالى:"فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون: المعارج - 42 ، وقال تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق - 22 ، وقال تعالى:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم": النجم - 30 ، على أنهم لا يصفو لهم عيش إلا وهو منغص بما يربو عليه من الغم والهم."
ومن هنا يظهر: أن الإدراك والفكر الموجود في أهل الله وخاصة القرآن غيرهما في غيرهم مع كونهم جميعا من نوع واحد هو الإنسان ، وبين الفريقين وسائط من أهل الإيمان ممن لم يستكمل التعليم والتربية الإلهيين.
فهذا ما يتحصل من كلامه تعالى في معنى العذاب وكلامه تعالى مع ذلك لا يستنكف عن تسمية الشقاء الجسماني عذابا لكن نهايته أنه عذاب في مرحلة الجسم دون الروح ، قال تعالى حكاية عن أيوب (عليه السلام) :"أني مسني الشيطان بنصب وعذاب": ص - 41 ، وقال تعالى:"و إذ أنجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم": الأعراف - 141 ، فسمى ما يصنعون بهم بلاء وامتحانا من الله وعذابا في نفسه لا منه سبحانه.
قوله تعالى: إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء الخ ، قد علل تعالى عذاب الذين كفروا بآياته بأنه عزيز ذو انتقام لكن لما كان هذا التعليل لا يخلو عن حاجة إلى ضميمة تنضم إليه ليتم المطلوب فإن العزيز ذا الانتقام يمكن أن يخفى عليه كفر بعض من كفر بنعمته فلا يبادر بالعذاب والانتقام ، فعقب لذلك الكلام بقوله: إن الله لا يخفى عليه ، فبين أنه عزيز لا يخفى عليه شيء ظاهر على الحواس ولا غائب عنها ، ومن الممكن أن يكون المراد مما في الأرض وما في السماء الأعمال الظاهرة القائمة بالجوارح والخفية الكامنة في القلوب على حد ما نبهنا عليه في قوله تعالى:"لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية: البقرة - 284."
قوله تعالى: هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ، التصوير إلقاء الصورة على الشيء والصورة تعم ما له ظل كالتمثال وما لا ظل له.
والأرحام جمع رحم وهو مستقر الجنين من الإناث.