فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 4314

قوله تعالى: إن الذين كفروا بآيات الله إلى قوله ذو انتقام ، الانتقام على ما قيل مجازاة المسيء على إساءته ، وليس من لازم المعنى أن يكون للتشفي ، فإن ذلك من لوازم الانتقامات التي بيننا حيث إن إساءة المسيء يوجب منقصة وضررا في جانبنا فنتدارك ذلك بالمجازاة الشديدة التي توجب تشفي قلوبنا ، وأما هو تعالى فأعز ساحة من أن ينتفع أو يتضرر بشيء من أعمال عباده لكنه وعد - وله الوعد الحق - أن سيقضي بين عباده بالحق إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.

قال تعالى:"و الله يقضي بالحق": المؤمن - 20 ، وقال تعالى:"ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى": النجم - 31.

كيف وهو عزيز على الإطلاق منيع الجانب من أن ينتهك محارمه.

وقد قيل إن الأصل في معنى العزة الامتناع.

وقوله تعالى: إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ، من حيث إطلاق العذاب وعدم تقييده بالآخرة أو يوم القيامة ربما تضمن الوعيد بالعذاب في الدنيا كما في الآخرة.

وهذا من الحقائق القرآنية التي ربما قصر الباحثون في استيفاء البحث عنه وليس ذلك إلا لكوننا لا نعد شيئا عذابا إلا إذا اشتمل على شيء من الآلام الجسمانية ، أو نقص أو فساد في النعم المادية كذهاب الأموال وموت الأعزة ونقاهة الأبدان ، مع أن الذي يعطيه القرآن بتعليمه أمر وراء ذلك.

كلام في معنى العذاب في القرآن

القرآن يعد معيشة الناسي لربه ضنكا وإن اتسعت في أعيننا كل الاتساع.

قال تعالى:"و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا": طه - 124 ، ويعد الأموال والأولاد عذابا وإن كنا نعدها نعمة هنيئة قال تعالى:"و لا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون": التوبة - 85.

وحقيقة الأمر كما مر إجمال بيانه في تفسير قوله تعالى:"و قلنا يا ءادم اسكن أنت وزوجك الجنة": ، البقرة - 35 ، أن سرور الإنسان وغمه وفرحه وحزنه ورغبته ورهبته وتعذبه وتنعمه كل ذلك يدور مدار ما يراه سعادة أو شقاوة ، هذا أولا.

وأن النعمة والعذاب وما يقاربهما من الأمور تختلف باختلاف ما تنسب إليه فللروح سعادة وشقاوة وللجسم سعادة وشقاوة وكذا للحيوان منهما شيء وللإنسان منهما شيء وهكذا ، وهذا ثانيا.

والإنسان المادي الدنيوي الذي لم يتخلق بأخلاق الله تعالى ، ولم يتأدب بأدبه يرى السعادة المادية هي السعادة ولا يعبأ بسعادة الروح وهي السعادة المعنوية.

فيتولع في اقتناء المال والبنين والجاه وبسط السلطة والقدرة.

وهو وإن كان يريد من قبل نفس هذا الذي ناله لكنه ما كان يريد إلا الخالص من التنعم واللذة على ما صورته له خياله وإذا ناله رأى الواحد من اللذة محفوفا بالألوف من الألم.

فما دام لم ينل ما يريده كان أمنية وحسرة وإذا ناله وجده غير ما كان يريده لما يرى فيه من النواقص ويجد معه من الآلام وخذلان الأسباب التي ركن إليها ولم يتعلق قلبه بأمر فوقها فيه طمأنينة القلب والسلوة عن كل فائتة فكان أيضا حسرة فلا يزال فيما وجده متألما به معرضا عنه طالبا لما هو خير منه لعله يشفي غليل صدره وفيما لم يجده متقلبا بين الآلام والحسرات.

فهذا حاله فيما وجده ، وذاك حاله فيما فقده.

وأما القرآن فإنه يرى أن الإنسان أمر مؤلف من روح خالد وبدن مادي متحول متغير ، وهو على هذا الحال حتى يرجع إلى ربه فيتم له الخلود من غير زوال ، فما كان فيه سعادة الروح محضا كالعلم ونحو ذلك فهو من سعادته ، وما كان فيه سعادة جسمه وروحه معا كالمال والبنين إذا لم تكن شاغلة عن ذكر الله ، وموجبة للإخلاد إلى الأرض فهو أيضا من سعادته ونعمت السعادة.

وكذا ما كان فيه شقاء الجسم ونقص لما يتعلق بالبدن وسعادة الروح الخالد كالقتل في سبيل الله وذهاب المال واليسار لله تعالى فهو أيضا من سعادته بمنزلة التحمل لمر الدواء ساعة لحيازة الصحة دهرا.

وأما ما فيه سعادة الجسم وشقاء الروح فهو شقاء للإنسان وعذاب له والقرآن يسمى سعادة الجسم فقط متاعا قليلا لا ينبغي أن يعبأ به قال تعالى:"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأويهم جهنم وبئس المهاد": آل عمران - 196 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت