و الألباب جمع لب وهو العقل الزكي الخالص من الشوائب ، وقد مدحهم الله تعالى مدحا جميلا في موارد من كلامه ، وعرفهم بأنهم أهل الإيمان بالله والإنابة إليه واتباع أحسن القول ثم وصفهم بأنهم على ذكر من ربهم دائما فأعقب ذلك أنهم أهل التذكر أي الانتقال إلى المعارف الحقة بالدليل وأهل الحكمة والمعرفة ، قال تعالى:"و الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب": الزمر - 18 ، وقال تعالى:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم": آل عمران - 191 ، وهذا الذكر الدائم وما يتبعه من التذلل والخضوع هو الإنابة الموجبة لتذكرهم بآيات الله وانتقالهم إلى المعارف الحقة كما قال تعالى:"و ما يتذكر إلا من ينيب": الغافر - 13 ، وقد قال:"و ما يذكر إلا أولوا الألباب": البقرة - 269 آل عمران - 7.
قوله تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، وهذا من آثار رسوخهم في العلم فإنهم لما علموا بمقام ربهم ، وعقلوا عن الله سبحانه أيقنوا أن الملك لله وحده وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئا فمن الجائز أن يزيغ قلوبهم بعد رسوخ العلم فالتجئوا إلى ربهم ، وسألوه أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم ، وأن يهب لهم من لدنه رحمة تبقي لهم هذه النعمة ويعينهم على السير في صراط الهداية والسلوك في مراتب القرب.
وأما سؤال أن يهبهم رحمة بعد سؤال أن لا يزيغ قلوبهم فلأن عدم إزاغة القلب لا يستلزم بقاء الرسوخ في العلم فمن الجائز أن لا يزاغ قلوبهم وينتزع عنها العلم فتبقى سدى مهملة لا سعداء بالعلم ولا أشقياء بالإزاغة بل في حال الجهل والاستضعاف ، وهم في حاجة مبرمة إلى ما هم عليه من العلم ، ومع ذلك لا تقف حاجتهم في ما هم عليه من الموقف بل هم سائروا طريق يحتاجون فيه إلى أنواع من الرحمة لا يعلمها ولا يحصيها إلا الله سبحانه ، وهم مستشعرون بحاجتهم هذه والدليل عليه قولهم بعد: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه.
فقولهم: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، استعاذة من نزول الزيغ إلى قلوبهم وإزاحته العلم الراسخ الذي فيها وقولهم وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب استمطار لسحاب الرحمة حتى تدوم بها حياة قلوبهم وتنكير الرحمة ، وتوصيفها بكونها من لدنه إظهار منهم الجهل بشأن هذه الرحمة ، وأنها كيف ينبغي أن تكون غير أنهم يعلمون أنه لو لا رحمة من ربهم ولو لا كونها من لدنه لم يتم لهم أمر.
وفي الاستعاذة من الزيغ إلى الله محضا واستيهاب الرحمة من لدنه محضا دلالة على أنهم يرون تمام الملك لله محضا من غير توجه إلى أمر الأسباب.
قوله تعالى: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد ، هذا منهم بمنزلة التعليل لسؤال الرحمة وذلك لعلمهم بأن إقامة نظام الخلقة ودعوة الدين وكدح الإنسان في مسير وجوده كل ذلك مقدمة لجمعهم إلى يوم القيامة الذي لا يغنى فيه ولا ينصر أحد إلا بالرحمة كما قال تعالى:"إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون ، إلا من رحم الله": الدخان - 42 ولذلك سألوا رحمة من ربهم وفوضوا تعيينها وتشخيصها إليه لينفعهم في أمرهم.
وقد وصفوا هذا اليوم بأنه لا ريب فيه ليتجه بذلك كمال اهتمامهم بالسؤال والدعاء ، وعللوا هذا التوصيف أيضا بقولهم: إن الله لا يخلف الميعاد لأن شأنهم الرسوخ في العلم ، ولا يرسخ العلم بشيء ولا يستقر تصديق إلا مع العلم بعلته المنتجة ، وعلة عدم ارتيابهم في تحقق هذا اليوم هو ميعاد الله سبحانه به فذكروه.
ونظير هذا الوجه جار في تعليلهم قولهم وهب لنا من لدنك رحمة بقولهم: إنك أنت الوهاب فكونه تعالى وهابا يعلل به سؤالهم الرحمة ، وإتيانهم بلفظة أنت وتعريف الخبر باللام المفيد للحصر يعلل به قولهم: من لدنك ، الدال على الاختصاص ، وكذا يجري مثل الوجه في قولهم: ربنا لا تزغ قلوبنا ، حيث عقبوه بما يجري مجرى العلة بالنسبة إليه ، وهو قولهم: بعد إذ هديتنا ، وقد مر آنفا أن قولهم: ءامنا به ، من حيث تعقيبه بقولهم: كل من عند ربنا ، من هذا القبيل أيضا.