فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 4314

فهؤلاء رجال آمنوا بربهم وثبتوا عليه فهداهم الله سبحانه ، وكمل عقولهم فلا يقولون إلا عن علم ولا يفعلون إلا عن علم فسماهم الله تعالى راسخين في العلم ، وكنى عنهم بأولى الألباب ، وأنت إذا تدبرت ما عرف الله به أولي الألباب وجدته منطبقا على ما ذكره من شأنهم في هذه الآيات ، قال تعالى: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب": الزمر - 18."

فوصفهم بالإيمان واتباع أحسن القول ، والإنابة إلى الله سبحانه ، وقد وصف بهذه الأوصاف الراسخين في العلم في هذه الآيات.

وأما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله إن الله لا يخلف الميعاد فلأن هذا الميعاد لا يختص بهم بل يعمهم وغيرهم فكان الأولى تبديل قولهم: ربنا ، إلى لفظة الجلالة لأن حكم الألوهية عام شامل لكل شيء.

كلام تفصيلي في المحكم والمتشابه والتأويل

هذا الذي أوردناه من الكلام في معنى المحكم والمتشابه والتأويل فيما مر هو الذي يتحصل من تدبر كلامه سبحانه ويستفاد من المأثور عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) سيجيء في البحث الروائي.

لكن القوم اختلفوا في المقام ، وقد شاع الخلاف واشتد الانحراف بينهم ، وينسحب ذيل النزاع والمشاجرة إلى الصدر الأول من مفسري الصحابة والتابعين ، وقلما يوجد في ما نقل إلينا من كلامهم ما يقرب مما مر من البيان فضلا عن أن ينطبق عليه تمام الانطباق.

والسبب العمدة في ذلك الخلط بين البحث عن المحكم والمتشابه وبين البحث عن معنى التأويل ، فأوجب ذلك اختلالا عجيبا في عقد المسألة وكيفية البحث والنتيجة المأخوذة منه ، ونحن نورد تفصيل القول في كل واحد من أطراف هذه الأبحاث وما قيل فيها وما هو المختار من الحق مع تمييز مورد البحث بما تيسر في ضمن فصول

1 -المحكم والمتشابه

الإحكام والتشابه من الألفاظ المبينة المفاهيم في اللغة ، وقد وصف بهما الكتاب كما في قوله تعالى:"كتاب أحكمت ءاياته": هود - 1 ، وقوله تعالى:"كتابا متشابها مثاني": الزمر - 23 ، ولم يتصف بهما إلا جملة الكتاب من جهة إتقانه في نظمه وبيانه ومن جهة تشابه نظمه وبيانه في البلوغ إلى غاية الإتقان والإحكام.

لكن قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات الآية لما اشتمل على تقسيم نفس آيات الكتاب إلى المحكمات والمتشابهات علمنا أن المراد بالإحكام والتشابه هاهنا غير ما يتصف به تمام الكتاب ، وكان من الحري البحث عن معناهما وتشخيص مصداقهما من الآيات ، وفيه أقوال ربما تجاوزت العشرة: أحدها: أن المحكمات هو قوله تعالى في سورة الأنعام:"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا إلى آخر الآيات الثلاث": الأنعام - 152 والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود ، وهي الحروف المقطعة النازلة في أوائل عدة من السور القرآنية مثل الم والر وحم ، وذلك أن اليهود أولوها على حساب الجمل ، فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة وعمرها فاشتبه عليهم الأمر.

نسب إلى ابن عباس من الصحابة.

وفيه: أنه قول من غير دليل ولو سلم فلا دليل على انحصارهما.

فيهما ، على أن لازمه وجود قسم ثالث ليس بمحكم ولا متشابه مع أن ظاهر الآية يدفعه.

لكن الحق أن النسبة في غير محلها ، والذي نقل عن ابن عباس: أنه قال إن الآيات الثلاث من المحكمات لا أن المحكمات هي الآيات الثلاث ، ففي الدر المنثور ، أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الله بن قيس سمعت ابن عباس يقول: في قوله منه ءايات محكمات ، قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات: قل تعالوا ، والآيتان بعدها.

ويؤيد ذلك ما رواه عنه أيضا في قوله: آيات محكمات قال: من هاهنا: قل تعالوا إلى آخر ثلاث آيات ، ومن هاهنا: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه إلى آخر ثلاث آيات. فالروايتان تشهدان أنه إنما ذكر هذه الآيات مثالا لسائر المحكمات لا أنه قصرها فيها.

وثانيها عكس الأول وهو أن المحكمات هي الحروف المقطعة في فواتح السور والمتشابهات غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت