فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 4314

نقل ذلك عن أبي فاختة حيث ذكر في قوله تعالى: هن أم الكتاب: إنهن فواتح السور منها يستخرج القرآن: الم ذلك الكتاب ، منها استخرجت البقرة والم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، منها استخرجت آل عمران وعن سعيد بن جبير مثله في معنى قوله: هن أم الكتاب ، قال: أصل الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب ، انتهى.

ويدل ذلك على أنهما يذهبان في معنى فواتح السور إلى أن المراد بها ألفاظ الحروف بعناية أن الكتاب الذي نزل عليكم هو هذه الحروف المقطعة التي تتألف منها الكلمات والجمل ، كما هو أحد المذاهب في معنى فواتح السور.

وفيه: مضافا إلى أنه مبني على ما لا دليل عليه أصلا أعني تفسير الحروف المقطعة في فواتح السور بما عرفت أنه لا ينطبق على نفس الآية فإن جميع القرآن غير فواتح السور يصير حينئذ من المتشابه ، وقد ذم الله سبحانه اتباع المتشابه ، وعده من زيغ القلب مع أنه تعالى مدح اتباع القرآن بل عده من أوجب الواجبات كقوله تعالى:"و اتبعوا النور الذي أنزل معه": الأعراف - 157 ، وغيره من الآيات.

وثالثها: أن المتشابه هو ما يسمى مجملا والمحكم هو المبين.

وفيه: أن ما بين من أوصاف المحكم والمتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل والمبين.

بيان ذلك: أن إجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط ويندمج بعض جهات معناه ببعض فلا ينفصل الجهة المرادة عن غيرها ، ويوجب ذلك تحير المخاطب أو السامع في تشخيص المراد وقد جرى دأب أهل اللسان في ظرف التفاهم أن لا يتبعوا ما هذا شأنه من الألفاظ بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبين هذا المجمل فيصير بذلك مبينا فيتبع فهذا حال المجمل مع مبينه ، فلو كان المحكم والمتشابه هما المجمل والمبين بعينهما كان المتبع هو المتشابه إذا رد إلى المحكم ، دون نفس المحكم ، وكان هذا الاتباع مما لا يجوزه قريحة التكلم والتفاهم فلم يقدم على مثله أهل اللسان سواء في ذلك أهل الزيغ منهم والراسخون في العلم ولم يكن اتباع المتشابه أمرا يلحقه الذم ويوجب زيغ القلب.

رابعها أن المتشابهات هي الآيات المنسوخة لأنها يؤمن بها ولا يعمل بها ، والمحكمات هي الآيات الناسخة لأنها يؤمن بها ، ويعمل بها ونسب إلى ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ، ولذلك كان ابن عباس يحسب أنه يعلم تأويل القرآن.

وفيه: أنه على تقدير صحته لا دليل فيه على انحصار المتشابهات في الآيات المنسوخة فإن الذي ذكره تعالى من خواص اتباع المتشابه من ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل جار في كثير من الآيات غير المنسوخة كآيات الصفات والأفعال ، على أن لازم هذا القول وجود الواسطة بين المحكم والمتشابه.

وفيما نقل عن ابن عباس ما يدل على أن مذهبه في المحكم والمتشابه أعم مما ينطبق على الناسخ والمنسوخ ، وأنه إنما ذكرهما من باب المثال ففي الدر المنثور: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ، والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ، انتهى.

خامسها: أن المحكمات ما كان دليله واضحا لائحا كدلائل الوحدانية والقدرة والحكمة ، والمتشابهات ما يحتاج في معرفته إلى تأمل وتدبر.

وفيه: أنه إن كان المراد من كون الدليل واضحا لائحا أو محتاجا إلى التأمل والتدبر كون مضمون الآية ذا دليل عقلي قريب من البداهة أو بديهي وعدم كونه كذلك كان لازمه كون آيات الأحكام والفرائض ونحوها من المتشابه لفقدانها الدليل العقلي اللائح الواضح ، وحينئذ يكون اتباعها مذموما مع أنها واجبة الاتباع ، وإن كان المراد به كونه ذا دليل واضح لائح من نفس الكتاب وعدم كونه كذلك فجميع الآيات من هذه الجهة على وتيرة واحدة ، وكيف لا؟ وهو كتاب متشابه مثاني ، ونور ، ومبين ، ولازمه كون الجميع محكما وارتفاع المتشابه المقابل له من الكتاب وهو خلف الفرض وخلاف النص.

سادسها: أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي ، والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت