فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 4314

و فيه: أن ذلك مستلزم لكون جميع الكتاب متشابها وينافيه التقسيم الذي في الآية إذ ما من آية من آي الكتاب إلا وفيه اختلاف ما: إما لفظا أو معنى أو في كونها ذات ظهور أو غيرها ، حتى ذهب بعضهم إلى أن القرآن كله متشابه مستدلا بقوله تعالى:"كتابا متشابها": الزمر - 23 ، غفلة عن أن هذا الاستدلال منه يبتني على كون ما استدل به آية محكمة وهو يناقض قوله وذهب آخرون إلى أن ظاهر الكتاب ليس بحجة أي أنه لا ظاهر له.

السادس عشر: أن المتشابه ما أشكل تفسيره لمشابهته غيره سواء كان الإشكال من جهة اللفظ أو من جهة المعنى ، ذكره الراغب.

قال في مفردات القرآن: والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره ، إما من حيث اللفظ ، أو من حيث المعنى ، فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبىء ظاهره عن مراده ، وحقيقة ذلك: أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق ، ومتشابه على الإطلاق ، ومحكم من وجه متشابه من وجه.

فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط ، ومتشابه من جهة المعنى فقط ، ومتشابه من جهتهما.

والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة ، وذلك إما من جهة غرابته نحو الأب ويزفون ، وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين ، والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب ، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو"و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء"وضرب لبسط الكلام نحو ليس كمثله شيء لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع ، وضرب لنظم الكلام نحو"أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما"تقديره الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا وقوله: ولو لا رجال مؤمنون إلى قوله لو تزيلوا.

والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة ، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا ، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه ، أو لم يكن من جنس ما لم نحسه.

والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو اقتلوا المشركين ، والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو فانكحوا ما طاب لكم ، والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو اتقوا الله حق تقاته ، والرابع: من جهة المكان أو الأمور التي نزلت فيها نحو وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ، وقوله: إنما النسيء زيادة في الكفر ، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية ، والخامس: من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلوة والنكاح.

وهذه الجملة إذا تصورت علم: أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه الم ، وقول قتادة: المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ ، وقول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه.

ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج دابة الأرض وكيفية الدابة ونحو ذلك.

وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة وضرب متردد بين الأمرين ، يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم ، وهو الضرب المشار إليه بقوله (عليه السلام) في علي رضي الله عنه: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ، وقوله لابن عباس مثل ذلك ، انتهى كلامه وهو أعم الأقوال في معنى المتشابه جمع فيها بين عدة من الأقوال المتقدمة.

وفيه: أولا: أن تعميمه المتشابه لموارد الشبهات اللفظية كغرابة اللفظ وإغلاق التركيب والعموم والخصوص ونحوها لا يساعد عليه ظاهر الآية ، فإن الآية جعلت المحكمات مرجعا يرجع إليه المتشابهات ، ومن المعلوم أن غرابة اللفظ وأمثالها لا تنحل عقدتها من جهة دلالة المحكمات ، بل لها مرجع آخر ترجع إليه وتتضح به.

وأيضا: الآية تصف المتشابهات بأنها من شأنها أن تتبع لابتغاء الفتنة ، ومن المعلوم: أن اتباع العام من غير رجوع إلى مخصصه ، والمطلق من غير رجوع إلى مقيده وأخذ اللفظ الغريب مع الإعراض عما يفسره في اللغة مخالف لطريقة أهل اللسان لا تجوزه قريحتهم فلا يكون بالطبع موجبا لإثارة الفتنة لعدم مساعدة اللسان عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت