فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 4314

و ثانيا: أن تقسيمه المتشابه بما يمكن فهمه لعامة الناس وما لا يمكن فهمه لأحد وما يمكن فهمه لبعض دون بعض ظاهر في أنه يرى اختصاص التأويل بالمتشابه ، وقد عرفت خلافه.

هذا هو المعروف من أقوالهم في معنى المحكم والمتشابه وتمييز مواردهما ، وقد عرفت ما فيها ، وعرفت أيضا أن الذي يظهر من الآية على ظهورها وسطوع نورها خلاف ذلك كله ، وأن الذي تعطيه الآية في معنى المتشابه: أن تكون الآية مع حفظ كونها آية دالة على معنى مريب مردد لا من جهة اللفظ بحيث يعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان كإرجاع العام والمطلق إلى المخصص والمقيد ونحو ذلك بل من جهة كون معناها غير ملائم لمعنى آية أخرى محكمة لا ريب فيه تبين حال المتشابهة.

ومن المعلوم أن معنى آية من الآيات لا يكون على هذا الوصف إلا مع كون ما يتبع من المعنى مألوفا مأنوسا عند الأفهام العامية تسرع الأذهان الساذجة إلى تصديقه أو يكون ما يرام من تأويل الآية أقرب إلى قبول هذه الأفهام الضعيفة الإدراك والتعقل.

وأنت إذا تتبعت البدع والأهواء والمذاهب الفاسدة التي انحرف فيها الفرق الإسلامية عن الحق القويم بعد زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سواء كان في المعارف أو في الأحكام وجدت أكثر مواردها من اتباع المتشابه ، والتأويل في الآيات بما لا يرتضيه الله سبحانه.

ففرقة تتمسك من القرآن بآيات للتجسيم ، وأخرى للجبر ، وأخرى للتفويض وأخرى لعثرة الأنبياء ، وأخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات ، وأخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات ، إلى غير ذلك ، كل ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه.

وطائفة ذكرت: أن الأحكام الدينية إنما شرعت لتكون طريقا إلى الوصول فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعينا لمن ركبه فإنما المطلوب هو الوصول بأي طريق اتفق وتيسر ، وأخرى قالت إن التكليف إنما هو لبلوغ الكمال ، ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقق الوصول فلا تكليف لكامل.

وقد كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ومقامة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يشذ منها شاذ ثم لم تزل بعد ارتحاله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنقص وتسقط حكما فحكما ، يوما فيوما بيد الحكومات الإسلامية ، ولم يبطل حكم أو حد إلا واعتذر المبطلون: أن الدين إنما شرع لصلاح الدنيا وإصلاح الناس ، وما أحدثوه أصلح لحال الناس اليوم ، حتى آل الأمر إلى ما يقال: إن الغرض الوحيد من شرائع الدين إصلاح الدنيا بإجرائها ، والدنيا اليوم لا تقبل السياسة الدينية ولا تهضمها بل تستدعي وضع قوانين ترتضيها مدنية اليوم وإجراءها ، وإلى ما يقال إن التلبس بالأعمال الدينية لتطهير القلوب وهدايتها إلى الفكرة والإرادة الصالحتين ، والقلوب المتدربة بالتربية الاجتماعية ، والنفوس الموقوفة على خدمة الخلق في غنى عن التطهر بأمثال الوضوء والغسل والصلوة والصوم.

إذا تأملت في هذه وأمثالها وهي لا تحصى كثرة وتدبرت في قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله الآية ، لم تشك في صحة ما ذكرناه ، وقضيت بأن هذه الفتن والمحن التي غادرت الإسلام والمسلمين لم تستقر قرارها إلا من طريق اتباع المتشابه ، وابتغاء تأويل القرآن.

وهذا والله أعلم هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب ، وإصراره البالغ على النهي عن اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل والإلحاد في آيات الله والقول فيها بغير علم واتباع خطوات الشيطان فإن من دأب القرآن أنه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدين فتنهدم به بنيته كالتشديد الواقع في تولي الكفار ، ومودة ذوي القربى ، وقرار أزواج النبي ، ومعاملة الربا ، واتحاد الكلمة في الدين وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت