و لا يغسل رين الزيغ من القلوب ولا يسد طريق ابتغاء الفتنة اللذين منشؤهما الركون إلى الدنيا والإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى إلا ذكر يوم الحساب كما قال تعالى:"و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب": ص - 26 ، ولذلك ترى الراسخين في العلم المتأبين تأويل القرآن بما لا يرتضيه ربهم يشيرون إلى ذلك في خاتمة مقالهم حيث يقولون: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد.
2 -ما معنى كون المحكمات أم الكتاب
ذكر جماعة: أن كون الآيات المحكمة أم الكتاب كونها أصلا في الكتاب عليه تبتني قواعد الدين وأركانها فيؤمن بها ، ويعمل بها وليس الدين إلا مجموعا من الاعتقاد والعمل ، وأما الآيات المتشابهة فهي لتزلزل مرادها وتشابه مدلولها لا يعمل بها بل إنما يؤمن بها إيمانا.
وأنت بالتأمل فيما تقدم من الأقوال تعلم أن هذا لازم بعض الأقوال المتقدمة ، وهي التي ترى أن المتشابه إنما صار متشابها لاشتماله على تأويل يتعذر الوصول إليه وفهمه ، أو أن المتشابه يمكن حصول العلم به ورفع تشابهه في الجملة أو بالجملة بالرجوع إلى عقل أو لغة أو طريقة عقلائية يستراح إليها في رفع الشبهات اللفظية.
وقال آخرون: إن معنى أمومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها ، وكلامهم مختلف في تفسير هذا الرجوع فظاهر بعضهم: أن المراد بالرجوع هو قصر المتشابهات على الإيمان والاتباع العملي في مواردها للمحكم كالآية المنسوخة يؤمن بها ويرجع في موردها إلى العمل بالناسخة ، وهذا القول لا يغاير القول الأول كثير مغايرة ، وظاهر بعض آخر أن معناها كون المحكمات مبينة للمتشابهات ، رافعة لتشابهها.
والحق هو المعنى الثالث ، فإن معنى الأمومة الذي تدل عليه قوله: هن أم الكتاب الآية يتضمن عناية زائدة وهو أخص من معنى الأصل الذي فسرت به الأم في القول الأول ، فإن في هذه اللفظة.
أعني لفظة الأم عناية بالرجوع الذي فيه انتشاء واشتقاق وتبعض ، فلا تخلو اللفظة عن الدلالة على كون المتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرع على المحكمات ، ولازمه كون المحكمات مبينة للمتشابهات.
على أن المتشابه إنما كان متشابها لتشابه مراده لا لكونه ذا تأويل ، فإن التأويل كما مر يوجد للمحكم كما يوجد للمتشابه ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ، فللمتشابه مفسر وليس إلا المحكم ، مثال ذلك قوله تعالى:"إلى ربها ناظرة": القيامة - 23 ، فإنه آية متشابهة ، وبإرجاعها إلى قوله تعالى:"ليس كمثله شيء": الشورى - 11 ، وقوله تعالى لا تدركه الأبصار": الأنعام - 103 ، يتبين: أن المراد بها نظرة ورؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسي ، وقد قال تعالى:"ما كذب الفؤاد ما رأى أ فتمارونه على ما يرى إلى أن قال لقد رأى من ءايات ربه الكبرى": النجم - 18 ، فأثبت للقلب رؤية تخصه ، وليس هو الفكر فإن الكفر إنما يتعلق بالتصديق والمركب الذهني والرؤية إنما تتعلق بالمفرد العيني ، فيتبين بذلك أنه توجه من القلب ليست بالحسية المادية ولا بالعقلية الذهنية ، والأمر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات."
3 -ما معنى التأويل؟
فسر قوم من المفسرين التأويل بالتفسير وهو المراد من الكلام وإذ كان المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة كان المراد بالتأويل على هذا من قوله تعالى وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الآية هو المعنى المراد بالآية ، المتشابهة ، فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابه على هذا القول لغير الله سبحانه أو لغيره وغير الراسخين في العلم.
وقالت طائفة أخرى: إن المراد بالتأويل: هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ ، وقد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقة ثانية فيه بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الإرجاع أو المرجع.
وكيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين كما أن المعنى الأول هو الذي كان شائعا بين قدماء المفسرين سواء فيه من كان يقول: إن التأويل لا يعلمه إلا الله ، ومن كان يقول إن الراسخين في العلم أيضا يعلمونه كما نقل عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله.