فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 4314

و أما القول الرابع فيرد عليه: أنه وإن أصاب في بعض كلامه لكنه أخطأ في بعضه الآخر فإنه وإن أصاب في القول بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد لجميع القرآن ، وأن التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام لكنه أخطأ في عد كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية والمستقبلة تأويلا للكلام ، وفي حصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة.

توضيحه: أن المراد حينئذ من التأويل في قوله تعالى: وابتغاء تأويله"الخ"إما أن يكون تأويل القرآن برجوع ضميره إلى الكتاب فلا يستقيم قوله: وما يعلم تأويله إلا الله"الخ"فإن كثيرا من تأويل القرآن وهو تأويلات القصص بل الأحكام أيضا وآيات الأخلاق مما يمكن أن يعلمه غيره تعالى وغير الراسخين في العلم من الناس حتى الزائغون قلبا على قوله فإن الحوادث التي تدل عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس من غير أن يحرم عنه بعضهم ، وكذا الحقائق الخلقية والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات والمعاملات وسائر الأمور المشرعة.

وإن كان المراد بالتأويل فيه تأويل المتشابه فقط استقام الحصر في قوله: وما يعلم تأويله إلا الله الخ ، وأفاد أن غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلا لا ينبغي لهم ابتغاء تأويل المتشابه ، وهو يؤدي إلى الفتنة وإضلال الناس لكن لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات والقيامة فإن الفتنة والضلال كما يوجد في تأويلها يوجد في تأويل غيرها من آيات الأحكام والقصص وغيرهما كأن يقول القائل وقد قيل إن المراد من تشريع الأحكام إحياء الاجتماع الإنساني بإصلاح شأنه بما ينطبق على الصلاح ، فلو فرض أن صلاح المجتمع في غير الحكم المشرع ، أو أنه لا ينطبق على صلاح الوقت وجب اتباعه وإلغاء الحكم الديني المشرع.

وكأن يقول القائل وقد قيل إن المراد من كرامات الأنبياء المنقولة في القرآن أمور عادية ، وإنما نقل بألفاظ ظاهرها خلاف العادة لصلاح استمالة قلوب العامة لانجذاب نفوسهم وخضوع قلوبهم لما يتخيلونه خارقا للعادة قاهرا لقوانين الطبيعة.

ويوجد في المذاهب المنشعبة المحدثة في الإسلام شيء كثير من هذه الأقاويل ، وجميعها من التأويل في القرآن ابتغاء للفتنة بلا شك ، فلا وجه لقصر المتشابه على آيات الصفات وآيات القيامة.

إذا عرفت ما مر علمت: أن الحق في تفسير التأويل أنه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم أو موعظة أو حكمة ، وأنه موجود لجميع الآيات القرآنية: محكمها ومتشابهها ، وأنه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ ، وإنما قيدها الله سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب فهي كالأمثال تضرب ليقرب بها المقاصد وتوضح بحسب ما يناسب فهم السامع كما قال تعالى:"و الكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف - 4 وفي القرآن تصريحات وتلويحات بهذا المعنى.

على أنك قد عرفت فيما مر من البيان أن القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في الموارد التي - استعملها وهي ستة عشر موردا على ما عدت - إلا في المعنى الذي ذكرناه.

4 -هل يعلم تأويل القرآن غير الله سبحانه

هذه المسألة أيضا من موارد الخلاف الشديد بين المفسرين ، ومنشؤه الخلاف الواقع بينهم في تفسير قوله تعالى: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا الآية ، وأن الواو هل هو للعطف أو للاستيناف ، فذهب بعض القدماء والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة إلى أن الواو للعطف وأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه من القرآن ، وذهب معظم القدماء والحنفية من أهل السنة إلى أنه للاستيناف وأنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله وهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه.

وقد استدلت الطائفة الأولى على مذهبها بوجوه كثيرة ، وببعض الروايات.

والطائفة الثانية بوجوه أخر وعدة من الروايات الواردة في أن تأويل المتشابهات مما استأثر الله سبحانه بعلمه وتمادت كل طائفة في مناقضة صاحبتها والمعارضة مع حججها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت