و الذين ينبغي أن يتنبه له الباحث في المقام أن المسألة لم تخل عن الخلط والاشتباه من أول ما دارت بينهم ووقعت موردا للبحث والتنقير ، فاختلط رجوع المتشابه إلى المحكم.
وبعبارة أخرى المعنى المراد من المتشابه بتأويل الآية كما ينبىء به ما عنونا به المسألة وقررنا عليه الخلاف وقول كل من الطرفين آنفا.
ولذلك تركنا التعرض لنقل حجج الطرفين لعدم الجدوى في إثباتها أو نفيها بعد ابتنائها على الخلط وأما الروايات فإنها مخالفة لظاهر الكتاب فإن الروايات المثبتة ، أعني الدالة على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل فإنها أخذت التأويل مرادفا للمعنى المراد من لفظ المتشابه ولا تأويل في القرآن بهذا المعنى.
كما روي من طرق أهل السنة: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا لابن عباس فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ، وما روي من قول ابن عباس: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله ، ومن قوله: إن المحكمات هي الآيات الناسخة والمتشابهات هي المنسوخة فإن لازم هذه الروايات على ما فهموه أن يكون معنى الآية المحكمة تأويلا للآية المتشابهة وهو الذي أشرنا إليه أن التأويل بهذا المعنى ليس موردا لنظر الآية.
وأما الروايات النافية أعني الدالة على أن غيره لا يعلم تأويل المتشابهات مثل ما روي: أن ابن عباس كان يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به وكذلك كان يقرأ أبي بن كعب.
وما روي أن ابن مسعود كان يقرأ: وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، فهذه لا تصلح لإثبات شيء: أما أولا: فلأن هذه القراءات لا حجية فيها وأما ثانيا: فلأن غاية دلالتها أن الآية لا تدل على علم الراسخين في العلم بالتأويل وعدم دلالة الآية عليه غير دلالتها على عدمه كما هو المدعى فمن الممكن أن يدل عليه دليل آخر.
ومثل ما في الدر المنثور ، عن الطبراني عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خصال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتلوا ، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون آمنا به - كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ، وأن يكثر علمهم فيضيعونه ولا يبالون به.
وهذا الحديث على تقدير دلالته على النفي لا يدل إلا على نفيه عن مطلق المؤمن لا عن خصوص الراسخين في العلم ولا ينفع المستدل إلا الثاني.
ومثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم والإيمان بالمتشابه.
وعدم دلالتها على النفي مما لا يرتاب فيه.
ومثل ما في تفسير الآلوسي ، عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ، ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب.
والحديث مع كونه مرفوعا ومعارضا بما نقل عنه من دعوة الرسول له وادعائه العلم به لنفسه مخالف لظاهر القرآن: أن التأويل غير المعنى المراد بالمتشابه على ما عرفت فيما مر.
والذي ينبغي أن يقال: أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى ، وأما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك.
أما الجهة الثانية فلما مر في البيان السابق: أن الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه ، وتفرق الناس في الأخذ بها فهم بين مائل إلى اتباع المتشابه لزيغ في قلبه وثابت على اتباع المحكم والإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه ، فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم ، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلا وجوه غير تامة تقدمت الإشارة ، إليها فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله من غير ناقض ينقضه من عطف واستثناء وغير ذلك.
فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به.