فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 4314

و من هنا يتبين معنى كونه شديد العقاب ، فإن عقابه تعالى لا يقصد الإنسان ولا يتوجه إليه من جهة دون جهة ، وفي محل دون محل ، وعلى شرط دون شرط كما أن عقاب غيره كذلك فإن الشر الذي يوجهه إلى الإنسان مثله مثلا إنما يتوجه إليه من بعض الجهات دون بعض كفوق وتحت ، وفي بعض الأماكن دون بعض فيدفع بالفرار والتوقي والالتجاء مثلا وهذا بخلاف عقابه تعالى فإنه يأخذ الإنسان بعمله وذنبه وهو مع الإنسان في باطنه وظاهره من غير أن ينفك عنه ، ويجعل الإنسان وقودا لنار أحاط به سرداقها ، ولا ينفعه فرار ولا قرار ، ولا يوجد منه مناص ولا خلاص ، فهو شديد العقاب.

وفي قوله تعالى: كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ، التفات من الغيبة إلى الحضور أولا ثم من الحضور إلى الغيبة ثانيا ، أما قوله: كذبوا بآياتنا ففيه تنشيط لذهن السامع وتقريب للخبر إلى الصدق فإنه بمنزلة أن يقول القائل: إن فلانا بذي فحاش سيىء المحاضرة وقد ابتليت به فيجب الاجتناب عن معاشرته ، فجملة وقد ابتليت به تصحيح للخبر وإثبات لصدقه بإرجاعه إلى الدراية ونحو من الشهادة.

فالمعنى - والله أعلم - أن آل فرعون كانوا دائبين على دأب هؤلاء الذين كفروا في الكفر وتكذيب الآيات ، ولا ريب في هذا الخبر فإنا كنا حاضرين شاهدين وقد كذبوا بآياتنا نحن فأخذناهم.

وأما قوله: فأخذهم الله ، فهو رجوع بعد استيفاء المقصود إلى الأصل في الكلام وهو أسلوب الغيبة ، وفيه مع ذلك إرجاع الحكم إلى مقام الألوهية القائمة بجميع شئون العالم والمهيمنة على كل ما دق وجل ، ولذلك كرر لفظ الجلالة ثانيا في قوله والله شديد العقاب ، ولم يقل وهو شديد العقاب للدلالة على أن كفرهم وتكذيبهم هذا منازعة ومحاربة مع من له جلال الألوهية ويهون عليه أخذ المذنب بذنبه ، وهو شديد العقاب لأنه الله جل اسمه.

قوله تعالى: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى آخر الآية ، الحشر هو إخراج الجماعة عن مقرهم بالإزعاج ، ولا يستعمل في الواحد ، قال تعالى:"و حشرناهم فلم نغادر منهم أحدا": الكهف - 47 ، والمهاد هو الفراش ، وظاهر السياق أن المراد بالذين كفروا هم المشركون كما أنه ظاهر الآية السابقة: إن الذين كفروا لن تغني عنهم"الخ"دون اليهود ، وهذا هو الأنسب لاتصال الآيتين حيث تذكر هذه الآية الغلبة عليهم وحشرهم إلى جهنم وقد أشارت الآية السابقة إلى تقويهم وتعززهم بالأموال والأولاد.

قوله تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، ظاهر السياق أن يكون الخطاب للذين كفروا ، والكلام من تتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ستغلبون وتحشرون"الخ"ومن الممكن أن يكون خطابا للمؤمنين بدعوتهم إلى الاعتبار والتفكر بما من الله عليهم يوم بدر حيث أيدهم بنصره تأييدا عجيبا بالتصرف في أبصار العيون ، وعلى هذا يكون الكلام مشتملا على نوع من الالتفات بتوسعة خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله:"قل للذين"بتوجيهه إليه وإلى من معه من المؤمنين ، لكن السياق ، كما عرفت ، للأول أنسب.

والآية - بما تشتمل عليه من قصة التقاء الفئتين ونصرة تعالى للفئة المقاتلة في سبيل الله - وإن لم تتعرض بتشخيص القصة وتسمية الوقعة غير أنها قابلة الانطباق على وقعة بدر ، والسورة نازلة بعدها بل وبعد أحد.

على أن الآية ظاهرة في أن هذه القصة كانت معهودة عند المخاطبين بهذه الخصوصية وهم على ذكر منها حيث يقول: قد كان لكم آية"الخ"ولم يقص تعالى قصة يذكر فيها التصرف في أبصار المقاتلين غير قصة بدر ، والذي ذكره في قصة بدر في سورة الأنفال من قوله تعالى:"و إذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور": الأنفال - 44 ، وإن كان هو التقليل دون التكثير لكن لا يبعد أن يكون قد قلل فيها المؤمنين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم ولا يتولوا عن المقارعة ثم كثرهم في أعينهم بعد التلاقي والاختلاط لينهزموا بذلك.

وكيف كان فالمعتمد ما كان في ذكرهم من التكثير في العيون فعلى تقدير أن يكون الخطاب في الآية متوجها إلى المشركين لا تنطبق الآية على غير وقعة بدر ، على أن قراءة ترونهم بالتاء أيضا تؤيد ما ذكرناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت