فمحصل معنى الآية: أنكم أيها المشركون لو كنتم من أولي الأبصار والبصائر لكفاكم في الاعتبار والدلالة على أن الغلبة للحق وأن الله يؤيد بنصره من يشاء ولا يغلب بمال ولا ولد ما رأيتموه يوم بدر فقد كان المؤمنون مقاتلين في سبيل الله سبحانه ، وقد كانوا فئة قليلة مستذلين لا يبلغون ثلث الفئة الكافرة ، ولا يقاسون بهم قوة ، كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ليس لهم إلا ستة أدرع وثمانية سيوف وفرسان ، وكان جيش المشركين قريبا من ألف مقاتل لهم من العدة والقوة والخيل والجمال والهيئة ما لا يقدر بقدر ، فنصر الله المؤمنين على قلتهم وذلتهم على أعدائه وكثرهم في أعينهم فكانوا يرونهم مثليهم رأي العين ، وأيدهم الملائكة فلم ينفع المشركين ما كانوا يتعززون به من أموال وأولاد ولم يغنهم جمعهم ولا كثرتهم وقوتهم من الله شيئا.
وقد ذكر الله سبحانه دأب آل فرعون والذين من قبلهم في تكذيب آيات الله وأخذهم بذنوبهم في سورة الأنفال عند ذكر القصة مرتين ما ذكره هاهنا بعينه.
وفي موعظتهم بتذكير وقعة بدر إيماء إلى أن المراد بالغلبة في الآيات السابقة الغلبة بالقتل والإبادة ففي آياته تهديد بالقتال.
قوله تعالى: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ، لم يقل وأخرى في سبيل الشيطان أو في سبيل الطاغوت ونحو ذلك لأن الكلام غير مسوق للمقايسة بين السبيلين بل لبيان أن لا غنى من الله تعالى وأن الغلبة له فالمقابلة بالحقيقة بين الإيمان بالله والجهاد في سبيله وبين الكفر به تعالى.
والظاهر من السياق أن الضميرين في قوله يرونهم مثليهم راجعان إلى قوله: فئة تقاتل ، أي الفئة الكافرة يرون المؤمنين مثلي المؤمنين فهم يرونهم ستمائة وستة وعشرين ولقد كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، وأما احتمال اختلاف الضميرين مرجعا بأن يكون المعنى: يرون المؤمنين مثلي عدد الكافرين فبعيد عن اللفظ ، وهو ظاهر.
وربما احتمل أن يكون الضميران راجعين إلى الفئة الكافرة ، ويكون المعنى: يرى الكافرون أنفسهم مضاعفة مثلي عددهم يرون الألف ألفين ولازمه تقليلهم المؤمنين في النسبة فكانوا يرونهم سدس أنفسهم عددا مع كونهم ثلثا لهم في النسبة وذلك ليطابق ما ذكره في هذه الآية قوله تعالى في قصة بدر:"و إذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم": الأنفال - 44 ، فإن الآية تنافي الآية.
وأجيب بأن ذلك يؤدي إلى اللبس غير اللائق بأبلغ الكلام بل كان من اللازم على هذا أن يقال: يرون أنفسهم مثليهم أو ما يؤدي ذلك.
وأما التنافي بين الآيتين فإنما يتحقق مع اتحاد الموقف والمقام ، ولا دليل على ذلك لإمكان أن يقلل الله سبحانه كلا من الطائفتين في عين صاحبتها في بدء التلاقي لتشد بذلك قلوبهم وتزيد جرأتهم حتى إذا نشبت المقارعة وحمي الوطيس رأى الكافرون المؤمنين مثلي عددهم فانهزموا بذلك وولوا الأدبار ، وهذا نظير قوله تعالى في وصف يوم القيامة:"لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان": الرحمن - 39 ، مع قوله:"و قفوهم إنهم مسئولون": الصافات - 24 ، وليس إلا أن الموقف غير الموقف.
وفي شأن الضميرين أعني في قوله: يرونهم مثليهم ، احتمالات أخر ذكروها غير أن الجميع تشترك في كونها خلاف ظاهر اللفظ ، ولذلك تركنا ذكرها ، والله العالم.